تداعيات الانتصار الذي حققه باراك اوباما في الانتخابات الأمريكية ,ووصول أول رجل أفريقي الجذور إلى البيت الأبيض, لا تزال تتواصل في العالم العربي بين مثقفيه ومفكريه ونخبه وشبابه , بحيث تعددت المواقف تجاه هذا الحدث بين معجب بهذه التجربة الإنسانية الفريدة وبين من لا يرى أن هناك تغييرا حقيقيا في السياسة الأمريكية بشقيها الداخلي والخارجي.
ومما يستوقف المرء عند تأمل تفاعلات الحدث الأمريكي لدى النخب العربية , الرأي الذي لا يؤمن بأن هناك اختلافا بين مجئ اوباما أو ماكين على السياسة الخارجية الأمريكية في منطقتنا العربية وذلك لان التحالف الأمريكي مع إسرائيل هو تحالف استراتيجي وثابت وبالتالي فان ما علينا نحن العرب إلا أن نستمر بمنهج التصدي والمقاومة للمشروع الأمريكي والإسرائيلي حتى يعلن هذا المشروع هزيمته ونعلن نحن انتصارنا .
في الحقيقة هذا الرأي يمثل طريقة تفكير مدمرة في العمل السياسي , بحيث أن التغييرات التي يمر بها الطرف الآخر ,سواء كان هذا الطرف مشتبكا معنا في حالة صراع أو في حالة توافق , لا تشكل أي ارتداد عكسي على معطيات التفكير والتحليل لدينا فنظل نتشبث بذات النظريات القديمة التي تكونت بناء على معطيات زمنية محدده قابلة للتغيير والتبديل , إلا أن العمى الأيديولوجي يغلق أي نوافذ تتسلل منها أي معطيات جديدة تساهم في صناعة رؤية جديدة وفعل في السياسة جديد .
أمريكا تتعرض اليوم لتغييرات جذرية في سياستها الداخلية بحيث نرى صعودا كبيرا لدور الطبقات المهمشة تاريخيا تحت سطوة جماعات المصالح و لوبيات السياسة المختلفة المتحالفة مع المال والإعلام , كما عبر اوباما في خطاب انتصاره , من أن هذه الانتخابات جاءت من الشعب بشكل مباشر دون أن تمر باقنية دوائر النفوذ , إذ أن اوباما لم يكن مرشح المؤسسة السياسية الأمريكية , بل انه فرض ترشيحه بواسطة الشبكات الاجتماعية الشعبية التي أحسن إدارتها , فلأول مرة في تاريخ الانتخابات الأمريكية يبلغ حجم التبرعات التي ساهم أصحابها ب 200 دولار واقل مبلغا يناهز 450 مليون دولار . كما اعتمد اوباما على شريحة الطلاب والشباب إذ يعكس حجم التصويت داخل هذه الشريحة والذي تجاوز 60 % لصالح اوباما مقابل 30% لماكين حجم التغيير داخل المجتمع الأمريكي وهو مؤشر لمسار تراكمي بدا جبل جليده بالبروز ولم تتكشف كل مظاهره الأخرى بعد .
الحملة الانتخابية لاوباما وظفت التكنولوجيا لمصلحتها وهو ما قادها للوصول إلى شريحة الشباب الذين هم الفئة الأكثر تعاملا مع التقنية الحديثة , فشهدنا استخدام لمواقع مثل اليوتيوب والفيس بوك بشكل ذكي وواسع, فعدد الشباب المنضمين لصفحة اوباما في الفيس بوك يبلغ الثلاثة ملايين ,وقد بلغ عدد المنضمين لحملة اوباما الانتخابية من الشباب المتطوعين ما يزيد على سبعمائة ألف شاب وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الحملات الانتخابية الأمريكية , وهي كلها مؤشرات على الدور القادم الذي سوف تلعبه هذه الشريحة بشكل مباشر في الحياة السياسية الأمريكية بعيدا عن الوسائط الإعلامية والمنافذ السياسية غير المحايدة. فالشباب الأمريكي تمكن من صناعة انجازه بإيصال مرشح شاب إلى البيت الأبيض متجاوزا كل العقبات التي وضعت أمامه , وهذا متغير كبير مكنت منه التغيرات التقنية التي كان التواصل الأفقي بعيدا عن طبقات الوصاية احد ابرز منجزاتها . وهو متغير سيتجاوز تأثيره حدود الجغرافيا الأمريكية إلى العالم بأسره , ولعله مما يدعو إلى التأمل , أن الشريحة التي تفاعلت مع فوز اوباما في العالم العربي هي أيضا شريحة الشباب, الذين وجدوا في المدونات والفيس بوك واليوتيوب عالمهم الجديد , والذي أصبح اوباما أيقونة من أيقوناته . كما أن الذين أقلقهم فوز اوباما هم من حراس العهد القديم الذين يخشون من التغيير الذي يهدد مكتسباتهم, حتى أن احدهم انبرى في لحظة غضب من الإعجاب بفوز اوباما , ليصف الديمقراطية الأمريكية بأنها ديكتاتورية قد يكون فيها حرية نسبية, في خطاب ينضح باللامعقول ,مما يؤكد لنا أن كل ثقافة تستنسخ" اوباما وماكين" خاصين بها.
هذه المعطيات الجديدة تستلزم على المفكر والمثقف والسياسي العربي أن يعيد النظر في النماذج القديمة التي استوطنت عقله وسيطرت على مواقفه تجاه السياسات الدولية والإقليمية والمحليه , وهي نماذج صنعتها ظروف زمنية ومكانية تغيرت وجرفتها رياح التغيير التي كان احد ضحاياها جون مكين الواقف على عتبة الماضي يناضل بسيف ارهقه الزمن .
أحدث التعليقات