الانفتاح الذي يعيشه العالم اليوم لم يشهد التاريخ المنظور والمسطور مثيلا له من قبل, فشبكة التواصل الثقافي والمعرفي والمعلوماتي والمالي والاقتصادي أصبحت تظلل العالم كله دون أن تميز زاوية من زواياه عن الأخرى , فالحدث يشاهد لحظة وقوعه من الجميع , ويتأمله الجميع , ولكل أن يتخذ موقفه الخاص بناء على قناعاته ومبادئه . الأفكار تنتقل لا يعيقها شئ , تتسرب إلى البيوت الهادئة القابعة في مجاهيل الصحراء أو السادرة في أدغال الغابات الخضراء , فلا فرق.
لم يعد غريبا اليوم أن تجد شابا بحدثك انه يؤمن بوجودية كريغارد وهو يسكن بيتا في قرية صحراوية نائية لا يوجد بها من الخدمات إلا طبق فضائي يستقبل من خلاله العالم الشبكي ,الموصوف بالافتراضي, والذي في طريقة إلى أن يصبح هو العالم الحقيقي او ” العالم الجديد” بينما يتوارى عالمنا الحقيقي ويذبل في عقولنا ونفوسنا مع تقادم الزمن وتمدد شبكة التواصل الجديدة . فالعالم في الحقيقة ليس إلا شبكة العلاقات التي ننسجها من حولنا , وننخرط نحن كجزء فاعل فيها ومن خلالها.
عندما تتصفح موقع كالفيس بوك , تكاد تذهل عندما تشاهد ذوبان الأيديولوجيات على صفيحه الساخن , فلا مكان للايديولوجيا فوق ذاك الصفيح , وربما بعد فترة من الزمن , لا مجال لها فوق كوكبنا الغارق بدموع الماسي البشرية .
انه نمط تواصلي أفقي ومسطح ,لا تراتبية فيه ولا هرمية, فلا تستطيع الايديولوجيا أن تمد من خلاله نفوذها , بل تواصل سطحي وافقي تتداخل فيه الأفكار وتتزاوج بشكل مثير وعجيب , فكل شئ هناك متغير وقابل للزوال. هذا هو العالم الموسوم بالافتراضي, العالم الجديد , يتمدد بكل هدوء في عوالمنا الحقيقية , يشكل بطانتها ويصنع تجاويفها الداخليه , يتسلل إلى الأجزاء الخفية من عالمنا الحقيقي يعبث بها ويحيلها إلى نارِ مشتعلة لاتعرف رمادا أبداً .
في هذا العالم يتلاقى الجميع من كل الاتجاهات وبدون قيود أو حدود أو ضوابط , الكل يتجول في هذا المحيط البشري المائج , يحاور من يشاء ويصادق من يريد ,يكتشف العالم بكل حرية دون أن يجد من يوقفه عند أبواب الخصوصية العتيدة , فلا أبواب هناك ولا حارس على الأبواب.
و من الطبيعي جدا ان تجد اليساري المؤمن بجيفارا مثالا امميا يحتفي به ويفاخر , يصادق إسلامياً ملتزم بمخياله الاسلاموي العنيد امام الرياح العواتي , ولكنهم جميعا عندما يعبرون هذا المحبط لا يفكرون إلا بما هو مشترك بينهم , إنها همومهم الدنيوية التي تلازمهم في كل لحظة وتحاصرهم ولا تفرق بينهم , فكوارث هذا العالم و آلامه لا تميز بين الألوان والأجناس فهي مصابة بعمى ألوان أيديولوجي لذلك فابناء هذا العالم الجديد”الافتراضي” وجدوا أن الآلام تجمعهم أكثر من أي شئ آخر . فأزمة الغذاء العالمية لم تفرق بين يمين ويسار أو بين اسود وابيض , الجميع يعاني منها لذلك فالجميع ينخرط في كيفية مواجهتها.
هذا النمط الأفقي في التواصل بين البشر يخلف نمطا راسيا لا يمكن الانتقال فيه بين المنظومات إلا عبر تراتبية الإجازة المعنوية والفكرية, أما مع هذا النموذج التواصلي الجديد فان الانتقال يتم بشكل أفقي لا تحتاج فيه إلى إجازة من احد ,بل كل ما تحتاجه ,هو قرارك أنت فقط فلا وصاية لأحد على احد .
هذا هو الواقع المسمى افتراضي ,ولكنه في الحقيقة ليس إلا الواقع الجديد أو العالم الجديد ,في مقابل الواقع القديم ,وفي ظل تجاور هذين النظامين ,وتعقد وسائل فك الاشتباك بينهما ,فان المجتمعات التي تحاكي الواقع الجديد في نظمها ووسائل إدارة حياتها تستطيع أن تؤمن انتقالا سليما بينهما وتتفادى الارتجاجات والهزات المهلكلة , أما تلك المجتمعات التي تصادم هذا الواقع الجديد باليات إدارة شؤونها, فإنها في الحقيقة تواجه حركة التاريخ بدون سلاح , هي قررت المواجهة نعم ,ولكنها تخوض المعركة بدون سلاح , كساع إلى الهيجاء بغير سلاح .
أحدث التعليقات