جمعتني به ساحات الفضاء الاتصالي الجديدة , دارت بيننا أحاديث كثيرة حول عدد من القضايا الساخنة والهادئة في مجتمعنا , كان يتعامل معي وفق تصور مسبق أثبتت له الأيام انه لم يكن صحيحا , وكنت أتعامل معه وفي ذهني أيضاً تصور مسبق أثبت التواصل المستمر لي خطئه وعدم دقته . هكذا هي الانترنت ,وهكذا هو فضائها الافتراضي , تلتقي بالأشخاص و أنت تحمل تصورات مشوشة عنهم من خلال كتاباتهم ولكنك أول ما تلتقي بهم تكتشف أنهم ليسوا كما يكتبون بشكل دقيق , إذ ربما تجد شخصا حادا قاطعا فيما يكتب ولكن عندما تلتقي به تجده ارق من نسيم الهواء العليل , ودودا باشا متقبلا لكل رأي يختلف معه . والعكس أيضا صحيح , فقد تقرا لشخص لغة هادئة متوارية خلف حجاب الحذر , ولكنك إذا التقيت به وجدت إنساناً ثائراً على كل شئ حوله , ناقما ومتمردا ورافضا بعنف وصلف عجيبين . هذا بعض ما يلحظه من يتواصل مع الناس والأشخاص بواسطة تلك الوسائط الافتراضية الحديثة .
في إحدى الليالي آبى هذا الصديق إلا أن يخلع قناعا طالما أخفى وراءه شخصيته الحقيقية , بادرني بسؤال حول ما يسميه الفلاسفة الأسئلة الكبرى وكليات المسائل , وبعد قليل فجر عبارته في وجهي , أنا ملحد , ثم أعاد تصحيح العبارة أنا كنت ملحدا , في الحقيقة لا ادري لماذا لم تستفزني تلك العبارة التي قالها , ولم تشكل لي مفاجأة كبيرة , إذ ربما رأيت فيها نتيجة منطقية تفسر لي كثيرا من الغموض الذي لف حواراتنا السابقة.
وجدتني مدفوعا بالفضول اطرح علية أسئلة لأعرف حقيقة الحادة , أجابني أنا كنت مسلما حتى سن السادسة عشرة من عمري , ولأنني ابن عائلة منفتحة على كثير من الثقافات, ونتيجة لقراءات عشوائية هنا وهناك, بدأت أتساءل أسئلة تتعلق بحقائق الوجود . كنت طالبا في الخامسة عشر من عمري , جمعت هذه الأسئلة في عقلي وفي لحظة من لحظات الشجاعة قذفت بها أمام مدرس العلوم الدينية , كنت في الحقيقة ابحث عن إجابة منطقية لأسئلتي , فجاءني الجواب بالتوبيخ وطلب مني أستاذ العلوم الدينية أن أتوضئ واستعيذ بالله من الشيطان , فهذه وساوس شيطانية قذف بها الشيطان على لسانك …..
هكذا إذن كان الجواب…. يقول: فانكفأت اجمع حطام أسئلتي وأعيدها إلى مستودعها الآمن , في عقلي ونفسي وقلبي , حيث لا يملك احد زجري عليها ولا تعنيفي ..
في تلك المرحلة ازددت في القراءة والبحث , كنت أقرا كثيرا, اقرأ كتبا من خارج السياق المألوف , لابل متمردة عليه , كتب مفكرين وفلاسفة من اتجاهات مختلفة أصبحت زادي اليومي , وزاد من اهتمامي بها أن تعرفت إلى شخص مثقف واسع الإطلاع , أقنعني بعد حوارات معه بتبني الإلحاد كنظرية متكاملة عن الوجود , وقتها يقول , آمنت بنظرية الانفجار الكبير ونظرية داروين وأصبحت عند نفسي شخصا ملحدا.
إلا أنني بعد فترة من الزمن شعرت أن الإلحاد دين جديد , لا يختلف عن غيره من الأديان , فقررت أن أقف حيث لا حقيقة مطلقة , فكل شئ قابل للإثبات والنفي , وحيث أنني لا املك ما يثبت صحة الإلحاد أو يثبت صحة الإيمان , فانا اليوم ممن يسمون اللا أدريين , لا إيمان ولا الحاد , منطقة فراغ أيديولوجي تمتد بامتداد الكون الفسيح الذي نغرق بشمسه كما نغرق بسؤالاته.
إنني لست غريبا اليوم , قالها بكل فخر واعتزاز , فانا لدي أصدقاء يشاركونني مواقفي هذه , وقد تستغرب إذا علمت أنهم في غالبيتهم ممن شاركوا في محاضن دينية وانخرطوا بأنشطتها .
انتهى حورانا تلك الليلة , ذهبت إلى صفحة الكترونية يدون عليها هذا الشاب بعض خواطره ,لعلني أجد فيها مادة تثير مزيدا من فضولي حتى لقاءنا القادم .. فتحت الصفحة .. وجدت صورة شاب في منتصفها .. وتحت الصورة ُكتب خبر وفاته ..قرأت ما كتبه صاحبي تحت الصورة . وجدته يدعوا له بالجنة والغفران ..قلت الم نكن نتحدث عن الإلحاد ….
أحدث التعليقات