اقتحمت قوات تابعة لإدارة الوقف السنية مقر هيئة علماء المسلمين الأربعاء الماضي , و أعلن رئيس الوقف انه لا وجود لهيئة العلماء في العراق بعد اليوم و إنما الموجود هو مجلس علماء العراق , وان الهيئة تحولت إلى مدافع عن القاعدة إلى آخر ما صرح به رئيس الوقف لتبرير ما قام به.
المراقب يستطيع أن يخلص من كلام رئيس الوقف , مع التطورات التي شهدتها الساحة العراقية في الأشهر الأخيرة , وخصوصا الساحة السنية منها , أن هذا الإغلاق لمقر الهيئة جاء في سياق متتابع من الأحداث تهدف إلى تحجيم دورها و إضعافه .
التطور الأول ,كان تشكيل جماعة علماء العراق , التي كان تزعمها شخصية عراقية ,كان في الستينات رئيسا للحزب الإسلامي العراقي. وكان من نواب الأمين العام للجماعة الجديدة , احد أعضاء هيئة العلماء , ورئيس الوقف السني , الذي قام بإغلاق مقر الهيئة مؤخرا.
التطور الثاني , كان على مستوى الفصائل المسلحة , فقد حدث انشقاق في كتائب ثورة العشرين , وخرجت منها ماسمي بعد ذلك بحماس العراق , وبارك هذا الخروج في حينه محمد عياش الكبيسي الذي كان ممثلا لهيئة علماء المسلمين في الخارج , ثم أصبح لاحقا نائبا للامين العام لجماعة علماء العراق ,والذي تحدث عن أسباب خروجه من الهيئة وتشكيل جماعة علماء العراق , بان الهيئة لازالت ترى المشكلة في القوات الأمريكية , بينما يراها هو بالوجود الإيراني , والقاعدة , والقوات الأمريكية . بل يرى أن الخطر الإيراني اشد على العراق من الخطر الأمريكي.
التطور الثالث , هو تشكيل ما سمي بمجالس الصحوة , وأفواجها , والتي بدأت أول الأمر في الانبار , ثم توسعت لتشمل أكثر المحافظات السنية , و آخر هذه الصحوات ,صحوة الاعظمية , والتي اتضح أنها تخضع لإشراف الوقف السني . هذه الصحوات جاءت بعد طول معاناة واجهها أهل تلك المحافظات من جرائم القاعدة , وقتلها لخيرة علماء أهل السنة , وتكفيرهم كل من لم يبايع لأميرهم الخفي ,وخصوصا من هيئة العلماء , الذين قتل منهم العشرات بأيدي القاعدة . واصدر الزرقاوي فيهم فتوى التكفير الشهيرة في أحداث الفلوجة الأولى.
التطور الرابع , تشكيل المجلس السياسي للمقاومة , والذي ضم جبهة الجهاد والإصلاح وحماس العراق ,ولم تنضم إليه الفصائل المنضوية تحت جبهة الجهاد والتغيير والتي كانت قد أعلنت ثقتها في مرجعية هيئة العلماء استجابة لطلب من مفتي الديار العراقية عبدالملك السعدي ,بينما رحب الحزب الإسلامي وبارك تشكيل المجلس السياسي , وعرض التوسط بين الحكومة والمجلس .
التطور الخامس , وهو أوسع من الدائرة السنية , هو تحول القتال الطائفي السني الشيعي إلى قتال سني سني , وشيعي شيعي , جاء بشكل مرادف وموازي لأطروحات إعلامية في الكونجرس الأمريكي حول قرار تقسيم العراق ,وهو ما قد يجعل البعض يذهب إلى أن استهداف الهيئة يأتي في سياق تحجيم القوى التي تعارض مشاريع الفدرلة ,خصوصا وان البعض في الوسط السني صار مؤمنا بها كطوق للنجاة .
هذا الانقسام الذي تشهده الساحة السنية العراقية من الواضح انه حول مسالتين . الأولى تحت عنوان أيهما اشد خطرا أمريكا أم إيران , ففي حين تتبنى هيئة العلماء والفصائل المقربة منها أن أساس الخطر هو الاحتلال الأمريكي وان النفوذ الإيراني نتيجة له , يرى الآخرون غير ذلك .والمسالة الثانية , هي الموقف من القاعدة والتنظيمات التكفيرية ,ففي حين ترى الهيئة برغم أنها قد اكتوت بنار القاعدة , أن التصدي للقاعدة ينبغي أن يكون مهمة فصائل المقاومة , وان تكون على قاعدة صد العدوان , حتى لا تنشغل المقاومة العراقية عن هدفها الرئيسي, يرى الآخرون غير ذلك . وحتى تحسم هذه الخيارات فان العراق سيطول ليله , وتكبر معاناة أهله , بين مطرقتي الاحتلالين , وسندان التكفيرين.
أحدث التعليقات