لبنان :صراع القبائل

مقالات أضف تعليق

لا احسب أن دولة في العالم نالت هذا الاهتمام مثل لبنان , فمن روسيا إلى الولايات المتحدة , مرورا بأوروبا , وقبل ذلك وبعده , الدول العربية والإسلامية المتصارعة على أرضه . جميعها ترسل ممثليها ووسطائها وتخصص من ميزانيتها لمعالجة القضية اللبنانية.

عندما تنظر إلى المشهد لأول وهله , تجزم أن هذا البلد قد غدى ضحية لمؤامرات الخارج عليه , ولكن عندما تدقق قليلا تجد أن الخارج يستدرجه إلى لبنان , ويستدعيه وفي بعض الأحيان يغريه , هذا الانقسام والتصارع الذي يعيشه أهله . الشعوب اللبنانية , كما اسماها الكاتب اللبناني سركيس نعوم , تختلف تقريبا على كل شئ , وتتصارع على كل شئ , ومع هذا يصرون على أنهم يريدون التوافق ,وأيضا حول كل شئ .

في لبنان يمتزج الانقسام المذهبي , بالصراع الاجتماعي والطبقي , وينقسم التاريخ بين المكونات المنقسمة , ويتصارعون عليه كما يتصارعون على الحاضر , فمن مدع أن اللبنانيين امة مستقلة دون غيرها من الأمم , لها هويتها الخاصة والمميزة , ومن مدع أنهم نسل فينيقيا , ومن رافض لكل ذلك, مثبت أنهم عرب اقحاح من نسل قحطان وعدنان , وتتضارب مع ذلك الأساطير المؤسسة للكيان وتاريخه ,وتتصارع كما يتصارع سياسيو هذا الكيان عليه .

ولكن على ماذا يتصارع “أهل السياسة” في لبنان؟ وهل هناك مشاريع سياسية مختلفة تبحث عن السلطة لتنفيذ برامجها ؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا يريدون إقامة حكومات شراكة ورئيسا و فاقياً وهم مختلفون؟, ولماذا يبحثون في وزارات توزع بينهم وفق حصص عادلة يتقاسمها أهل المشاريع السياسية المتصارعة؟ وهل من المعقول أن تسير السفينة بقائدين لكل منهما خريطة طريق مختلفة عن الآخر , إذ كيف سيتوافقان على مسارها ؟ أم أنهما سيبحثان عن مسار وسطي ؟

البعض لا يرى أن الصراعات اللبنانية صراعات سياسية ,بمعنى أنها ليست ذات مضمون سياسي حقيقي. بل يراها أشبه بصراعات القبائل وغزواتها , منها بصراعات السياسة ومشاريعها . وهذه القبائل في صراعها تستدعي الخارج ,وتخضع نفسها لأجنداته, من اجل أن يمدها بالسلاح الذي تغزو به القبائل المجاورة لها . لذلك ليس مستغربا في لبنان تغير القناعات, وتبدل الو لاءات , وهذا يحول “شعوب” هذا البلد , أو قبائله إلى جسور تعبر عليها المشاريع الكبرى لتحقق من خلالهم أهدافها. بمعنى آخر فان الصراع في لبنان له وجهان , وجه داخلي لبناني , هو وجه عشائري تقليدي تتنافس فيه القبائل الطائفية على السلطة والموارد , ووجه خارجي هو سياسي واستراتيجي وحضاري حتى , فمن رأى الوجه الأول تحدث عن التكوين اللبناني المتشظي والمتذرر كمسبب للازمة , ومن رأى الوجه الثاني ,تحدث عن المشاريع السياسية والإستراتيجية في المنطقة والعالم كمثيرة للفتن , ومسببة لها في لبنان .ويعني ذلك أن الحديث عن فئة تقاوم المشروع الأمريكي وأخرى تتحالف معه , ليس دقيقا في وصف الوضع اللبناني .

في كتابه “هويات كثيرة وحيرة واحدة” يستعرض حسام عيتاني وجهات نظر اللبنانين حول أسباب الحرب الأهلية , مع اتفاقهم على أن العامل الخارجي , الوجه الآخر من العملة , كان عاملا مسرعا للصراع والحرب . وينقل عن انطوان حميد موراني , أن التناقضات اللبنانية التي ولج من خلالها العامل الخارجي إلى لبنان هي أربع تناقضات . وهي التناقض الديني , فلبنان يريد القيام على اللقاء بين الإسلام والمسيحية من دون أن يكون دولة دينية ولا أن يكون دولة علمانية أيضا, . والتناقض الثقافي بين المسلم والمسيحي , بين من يرى دورته الثقافية تمر بالوساطة الغربية كاملة ومن يتوقف حيال ذلك . والتناقض التاريخي في تفسير وجود الكيان اللبناني , والتناقض السلوكي بين من ينطلق من سلوكه السياسي دفاعا عن الهوية وطلبا للبقاء وبين من يخوض الصراع بحثا عن تغيير الواقع ومعادلاته .هذه التناقضات الأربعة التي رأى موراني أنها مكنت الخارج من ولوج لبنان واستغلال طوائفه ,وإشعال الحرب الأهلية عام 1975م .

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول