النسخة الثانية

مقالات أضف تعليق

الساحة العراقية والإقليمية تشهد مؤشرات تدل على أن مسارا جديدا ُيصنع لقطار المنطقة , مسار لازال في طور التشكل والإعداد , وهذا التحول في المسار تولد من فشل المسار السابق ومعادلاته الإقليمية والدولية .فالوجود الأمريكي في العراق والذي جاء لتحقيق مصالح إستراتيجية ,اقتصادية وسياسية للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل , بالتحالف مع بعض الفئات العراقية, وصل إلى طريق مسدود. والمقاومة العراقية حققت نجاحات كبيرة خلال السنوات الماضية, و لم تسمح للمشروع بالتقاط الأنفاس , كما أنها كشفت بصمودها وإفشالها للنسخة الأولى من المشروع ,عن جملة الأكاذيب المؤسسة للمعادلة العراقية الجديدة المتولدة من رحم الاحتلال , إذ كشفت عن أضاليل الديموغرافيا التي مارستها بعض القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة , وهو ما قاد صناع القرار الأمريكي إلى إعادة النظر في هذه الأكاذيب , والأساطير المؤسسة” للعراق الجديد”, عراق الاحتلال. وما قاد في النهاية إلى التفكير في طرح النسخة الثانية من المشروع.

النسخة الجديدة من المشروع يمكن عنونتها, كمافعلت بعض الصحف ,” لواشنطن القواعد والنفط وللعراقيين الحرب الأهلية” . ولكنها ليست حربا أهلية مذهبية , وهي لو حدثت ستشكل خطرا على الأمن الإقليمي , أما الحرب الأهلية داخل التكوين الواحد , فيمكن استيعابها والسيطرة على مستويات العنف فيها.

مؤشرات هذا التحول إلى النسخة الثانية عديدة, فعلى مستوى فصائل المقاومة العراقية , فان العديد من الفصائل كما تتحدث كثير من التقارير انضمت إلى أفواج الصحوة , وهي تنتظر الاندماج في تشكيلة الأجهزة الأمنية في مناطقها التي كانت تقاوم فيها من قبل . وبالتالي فان التصدي لمن تبقى من فصائل مقاومة وفصائل إرهابية , ستكون مهمة هذه الأفواج , خصوصا إذا تبع ذلك انسحاب للقوات الأمريكية إلى قواعد عسكرية تتوافر لها الحماية الكاملة.

مؤشر آخر يؤكد جدية التحول في المسار , الصراع والقتال المشتعل في الجنوب بين المجلس الأعلى وجهات محسوبة على التيار الصدري , وكأنها معركة لتوحيد الجنوب تحت قيادة واحدة , وهو ما يتساوق في الجهة المقابلة مع محاولة توحيد القرار السني بيد الحزب الإسلامي وجبهة التوافق , بعد أن حسمت المنطقة الكردية أمرها منذ زمن . وهو ما يعزز مشروع التقسيم إلى ثلاث فيدراليات رئيسة في العراق , سنية وشيعية وكردية , مع احتمال تحول كل من بغداد وكركوك إلى فيدراليات مستقلة .

يعضد هذه المؤشرات اتفاق المبادئ الذي ُأعلن بين المالكي وبوش حول وجود أمريكي طويل الأجل في العراق , يؤمن المصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة , وهما غاية أهدافها في العراق . أما مهمة التصدي لما تسمى بالمقاومة أو الإرهاب الدولي فسوف تكون للحكومة العراقية و أجهزتها الأمنية الجديدة , وهي الأجهزة التي ُستعالج فيها المشكلة الطائفية بعد دمج أفواج الصحوة فيها . أما القوات الأمريكية فسوفت تكتفي بالمساندة والدعم. وذلك على الطريقة الأمريكية الشهيرة في مجال الإدارة الحديثة ال “outsourcing”.

هناك فكرة أصبحت أشبه بالمسلمة السياسية لدى الكثير من الأوساط الأمريكية , وهي أن النجاح الرومانسي الذي حلم به الرئيس بوش في العراق قد انتهى , أي إقامة العراق الديمقراطي النموذجي , وان الممكن الآن هوعراق موحد مقسم إلى فيدراليات , مع قبول استمرار العنف لفترات طويلة , والمطلوب هو التكيف مع هذا الواقع , وترك الحل النهائي للزمن , بينما تتفرغ الولايات المتحدة لإدارة ملفاتها الإستراتيجية الأكثر إلحاحا , من الصعود الروسي وبوادر التمرد الصيني , والوضع الخطير في باكستان . وفي هذا الإطار بدا الحديث عن اللجوء العراقي, الذي يرى البعض انه لن ينتهي قريبا, مما يؤسس لمشاكل أمنية خطيرة على امن المنطقة ,كما تولدت مشاكل أمنية عن اللجوء الفلسطيني. إن تزايد الحديث عن ملف اللاجئين العراقيين , يعزز المؤشرات السابقة , ويدفع إلى الاعتقاد بان الإعداد يجري لنسخة جديدة من المشروع الأمريكي , تسعى إلى تهدئة الشرق الأوسط واحتواء العنف المستمر فيه , لا القضاء عليه. والتفرغ لمهام أخرى أكثر إلحاحا.

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول