بين احتلالين

مقالات أضف تعليق

الاحتلال الأمريكي للعراق جلب لهذا البلد المنكوب كوارث لا يبدو أن الأفق المشهود يحمل نهاية لها . المعاناة العراقية بالتأكيد لم تكن وليدة للاحتلال فحسب بل ان النظام الدكتاتوري تسبب في تشويه النظام الاجتماعي العراقي , وولدت سياساته القمعية الاحتكارية تصحرا للحياة السياسية العراقية وهو التصحر الذي تبدت اثارة بعد الاحتلال بشكل أكثر شناعة وخطرا, حتى أصبحت تيارات وجماعات عريضة و واسعة تدار من فئات انتهازية وفاسدة وبسياسات صبيانية لا مكان للعقل فيها أبداً.
هذا النموذج العراقي الذي تولد من رحم الديكتاتورية وتربى في أحضان الاحتلال يختلف بشكل كبير في محصلته عن نموذج احتلالي آخر , ورغم أن هذا النموذج يشابه في كثير من جوانبه الحالة العراقية إلا أن محصلة كل منهما تختلف جذريا عن الآخر .
الاحتلال الأمريكي لليابان , يشابه في بعض فصوله الاحتلال الأمريكي للعراق , إلا أن ما تحقق لليابان من نهوض حضاري لا يمكن مقارنته بما حدث للعراق من انهيار كامل لبنية الدولة وتصدع للنظام الاجتماعي وتمزق للوحدة الوطنية ينذر بتقسيم العراق وتشظيه إلى دويلات طائفية وعرقية, هي بدورها سوف تنقسم على نفسها وتتصارع مكوناتها كما شهدنا مقدمات ذلك في أحداث العام الذي مضى.
اليابان كانت تحكم قبل الاحتلال الأمريكي بنظام تحديثي متأثر بالأنظمة الفاشية والنازية في أوروبا , وألمانيا منها على وجه الخصوص , حيث تمت عسكرة المجتمع الياباني بالكامل, وتحولت المدارس إلى ثكنات للتدريب العسكري ولشحن الشعور القومي الذي يجعل من اليابانيين امة فريدة ومتميزة على غيرها.
كانت تجربة التحديث في اليابان تتم من القمة أو من النخبة وقد قادت هذه التجربة التنموية القائمة على استئثار النخبة بالقرار وفرض التحديث بالطريقة الفوقية, واحتكار طبقة النخبة لمكتسبات التحديث, إلى المساهمة بالهزيمة اليابانية أمام الولايات المتحدة وإعلان الأخيرة احتلالها لليابان وتنصيب ماكارثر حاكما عسكريا لها.
من ابرز ما قام به الجنرال مكارثر هو تغير دور النخبة في اليابان من تولي السلطة إلى أن تكون مساعدة للسلطة المنتخبة وان تسير وفقا لدستور ديمقراطي يحدد المهام ويوزع المسؤوليات بشكل عادل ومتوازن بين النخبة التحديثية والمجتمع.
ساهم الاحتلال الأمريكي في توسيع الحريات , وعلى رأسها الحرية الأكاديمية وحرية التعبير ,هو ما دفع الطلاب والباحثين إلى محاكاة ونقل الكثير من النظريات الأمريكية في العلوم الإنسانية والإدارية على وجه الخصوص.
قام مكارثر بتجريد المؤسسة العسكرية اليابانية وحول اليابان إلى دوله بدون جيش حقيقي ودفع اليابان إلى تبني البراجماتية الأمريكية وأقام هيئة تشريعية تعبر عن أوسع صورة من صور التمثيل النيابي عن الشعب الياباني , كما قام بإصلاح نظام العمل، حيث سمح ذلك بالفصل بين ملكية الشركات وبين إدارة الشركة مما سمح بوصول الأشخاص المهنيين والمتخصصين لإدارة الشركات . قضى مكارثر على احتكارية شركة واحدة لكل الشركات الفرعية في اليابان, أي انه دفع إلى مزيد من الخصصة في القطاع الاقتصادي , وهو ما نتج عنه بروز دور هام لنقابات العمال وإسهامها في عملية التنمية . هذه الإجراءات وغيرها قادت إلى نهوض اقتصادي لليابان أخذ يتعاظم ويتحول إلى نهوض سياسي مع الزمن.
عند التأمل في الإجراءات التي اتبعتها السياسة الاحتلالية في كلا البلدين يجد تشابها كبيرا, خصوصا في التوجه العام, رغم تباين التفاصيل, إلا أن النتيجة كانت متباينة ومختلفة في الحالتين . فاليابان التي دمرت لها الولايات المتحدة 66 مدينة , و30بالمائة من قدرتها الصناعية و80 بالمائة من سفنها و47 بالمائة من طاقتها الكهربائية وانتحر وزير حربيتها وقتل وزير المالية, وتمت محاكمة عشرة آلاف قيادي عسكري سابق فيها , أصبحت اليابان التي يشاهدها الناس اليوم . أما العراق فهو لم يذق جفنه طعم الراحة منذ خمس سنوات إلى اليوم فكيف بالنهوض الحضاري

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول