يقدم ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية رؤية تشاؤمية لمستقبل الدور والنفوذ الأمريكي في العالم اليوم وذلك في مقاله المنشور في العدد الأخير من مجلة الشؤون الخارجية , فتحت عنوان ” عصر اللاقطبية ” يخلص ريتشارد هاس إلى أن عصر الأحادية القطبية الذي سيطرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي قد انهار وان على الولايات المتحد أن تعيد النظر في موقعها الجديد في السياسة الدولية وان تعترف انها لم تعد القوة الوحيدة المهيمنة على النظام الدولي , وان تتأقلم مع هذا الحال الجديد وتدعم التجمعات الدولية وتوسيع عضوية الهيئات الدولية أمام القوى الجديدة في هذا العالم .
يرى هاس أن ابرز مميزات النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين هو اتجاهه نحو وضع من اللا قطبية الدولية , يختلف عن وضعية النظام القطبي سواء كان هذا النظام القطبي , تعدديا, أو ثنائيا, أو كان أحادياً.هذا النظام يختلف عن نظام القطبية بأشكاله الثلاثة, فهو نظام لا توجد مركزية للقوة فيه وبالتالي لا توجد فيه أقطاب تتمحور حولها القوة ومن ابرز مسببات هذا التحول, فقدان الدولة القومية لقوتها أمام ضغط المؤسسات الدولية من الأعلى والقوى المناهضة لها من الأسفل , و مؤسسات المجتمع المدني من داخلها .
في هذا النظام الدولي اللا قطبي لا تستطيع قوة أيا كان حجم القوة المادية التي تملكها , سواء قوة عسكرية أو اقتصادية أو تقنية , أن تسيطر على هذا النظام وتخضعه لمنظور مصالحها , فالنفوذ والتأثير داخل هذا النظام لا تعكسهما القوة فقط, بل هي نتاج عوامل عديدة ليست القوة إلا احدها .
كما يتميز هذا النظام بالمساحة التعاونية بين مكوناته ,و الصراعات والنزاعات إذا حصلت لن تكون صراعات كلية شاملة بل سوف تكون صراعات جزئية حول مسائل محدده لا تمنع تحقق التعاون بين الأطراف في مسائل أخرى وهذا التحول سيقود إلى تحول آخر في مفهوم التحالفات الدولية وهل من الممكن وجود تحالفات إستراتيجية وأحلاف أم أن التحالفات سوف تكون متنقلة ومتغيره بحسب الموضوع الذي يجري الصراع أو التحالف حوله , وسوف تسود تبعا لذلك التنافسية على العلاقات الدولية بديلا للصراعات المزمنة التي تنشا بسبب اختلال موازين القوى الحاكمة للنظام القطبي .
كما يعتقد ريتشارد هاس أن النظرية القائلة بان النظام الدولي اليوم هو نظام القطبية المتعددة و تحكمه ستة قوى رئيسية , هي نتيجة خداع النظرة الأولية لواقع السياسة الدولية اليوم , هذه النظرة الأولى التي قامت على أن القوى الرئيسية الستة , الصين , الاتحاد الأوروبي , الهند , اليابان , روسيا , والولايات المتحدة تضم أكثر من نصف سكان العالم وحصيلتها من الانتاج العالمي تتجاوز 75% ونسبة إنفاقها الدفاعي لباقي العالم 80% وبالتالي فهي القوى المحتكرة للنفوذ والتأثير في العلاقات الدولية القائمة اليوم . هذا التقييم ليس إلا خداعا أوليا ولا يعبر عن حقيقة العالم كما هي عليه .
يرى ها س أن هناك دورا بارزا لقوى إقليمية عديدة , وحتى منظمات شرعية وغير شرعية في هذا النظام الجديد .دولا مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا و جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر والمملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل وباكستان واندونيسيا واستراليا وكوريا الجنوبية . كما أن هناك دورا بارزا للمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن الحكومات , كما أن هناك ولايات ومدن بدأت تمارس تأثيرا مستقلا وبارزا في السياسة الدولية , مثل كاليفورنيا وولاية اتربردتيش الهندية ومدن مثل نيويورك وشنغهاي وساوباولو , وقنوات إعلامية مثل سي ان ان و بي بي سي والجزيرة ,كل هذه الأطراف أصبح لها تأثيرها على مسار العلاقات الدولية وأصبح العالم بحاجه إلى إعادة تأسيس لبنية النظام الدولي القائم وتوسيع مجلس الأمن ومجموعة الثمانية وغيرها من التحالفات القائمة لإدارة هذا التحول في العلاقات الدولية .
أحدث التعليقات