مقال قديم منشور في صحيفة اليوم بتاريخ 12/5/2007 م.
القاعدة والمهة القذرة :تصفية الاعتدال السني
الأحداث التي تجري وتتلاحق فصولها بين والعراق وفلسطين ولبنان مرورا بمنطقة الخليج العربي يمكن لنا أن نوجزها بجملة واحدة , هي معركة تصفية الاعتدال السني لمصلحة قوى التطرف والغلو والتكفير المنتسبة للعالم الإسلامي السني .
وهذه التصفية لو تمت تؤذن بدخول هذه المنطقة إلى عالم الفوضى الذي تتحكم به وتديره بكل اقتدار ايران وتفرض من خلاله شروطها على العالم الغربي لكونها القوة الوحيدة المستقرة القادرة على ضبط بوصلة الأحداث في منطقة إستراتيجية للعالم كله .
أمريكا أعلنت على لسان المسئولين فيها أنها ترغب في تشكيل تحالف الاعتدال لمواجهة تحالف التطرف , تحالف اعتدال تقوده واشنطن ويضم الدول العربية مع حركات الإسلام الشيعية في العراق , في مواجهة تحالف تطرف تقوده طهران ويضم المقاومة العراقية السنية وحزب الله وحماس. هذا التصور الساذج والذي يكفي لإثبات سذاجته , أن الحجر العراقي في التحالف الممثل للاعتدال هو ممثل في الحقيقة لإيران ومصالحها ومخططها الاستراتيجي في المنطقة . وان المقاومة العراقية الوطنية , لا تشكيلات القاعدة , هي الخصم والمكافئ الاستراتيجي لإيران في المنطقة , وهو مع ذلك يدلل على أن الرؤية الأمريكية في تشكيل هذا التحالف هي رؤية قريبة المدى و تتفيا أهدافا مرحلية ريثما تعاد الأمور إلى مجراها الطبيعي بعد الانهيار المدوي لمشروعها في العراق ثم تتم صناعة اصطفافات أخرى بتحالفات جديدة , الهدف المرحلي لأمريكا هو تحجيم النفوذ الإيراني في الخليج , والتحكم به بما لا يضر بالمصالح الأمريكية العليا . فكان الرد الإيراني هي المعركة التي تخوضها القاعدة بالنيابة أو بالعمالة عن إيران في العراق ويتطاير شررها إلى دول الجوار العربي , معركة تخوضها القاعدة للسيطرة على الوسط السني في العراق بالكامل , ومن ثم الانطلاق من هذا الوسط الملتهب لتجنيد مجموعات تعود من حيث جاءت لخلق الفوضى وإرباك المحيط العربي المصنف على جبهة الاعتدال .
هذه السيطرة تستخدم فيها الاغتيالات المنظمة للكوادر السنية المقاومة والمناضلة, عسكريا كما في اغتيال قائد احد فروع كتائب ثورة العشرين قبل أسابيع وغيره من القادة الميدانيين , أو سياسيا كما في اغتيال رموز هيئة علماء المسلمين أو الحزب الإسلامي أو شخصيات عشائرية . ويساعد القاعدة على تنفيذ هذه الأجندة الدعم المالي الضخم الذي تحوزه, والذي يشكك الكثير من المراقبين للساحة العراقية انه دعم تقف وراءه المخابرات الإيرانية بمساعدة من دولة عربية مجاورة منخرطة في المشروع الإيراني . وتتحدث العديد من المصادر العراقية عن معسكرات للقاعدة داخل إيران برعاية من الحرس الثوري الإيراني , كما تتحدث هذه المصادر عن أن رموز القاعدة وقيادتها هم في رعاية المخابرات الإيرانية , بل إن بعض عمليات التفجير التي تمت خارج العراق تشير كثير من الدلائل إلى أنها قد نسق لها وخطط لها من ضواحي العاصمة الإيرانية طهران . وما هو أكثر من التنسيق, تتحدث المصادر العراقية عن اختراق إيراني كامل لبعض الخلايا المنتسبة للقاعدة ,ومن هذه الاختراقات , اغتيال السفير المصري في بغداد وهو ما كشفته وسائل الإعلام المصرية في مرحلة لاحقة.
ولو ابتعدنا عن العراق , إلى لبنان , حيث أطلقت صواريخ على إسرائيل في مارس من عام 2006 م وتبنت القاعدة حينها هذه العملية ,والجميع يعرف أن الجنوب اللبناني منطقة مغلقة امنيا يتحكم بها حزب الله ولا ينفذ إليها احد بدون تنسيق معه , فكيف بإطلاق صواريخ على إسرائيل , وقد صرح رئيس تحرير صحيفة الديار اللبنانية شارل أيوب وهو المقرب من دوائر حزب الله , في حديث له إلى قناة الجزيرة في احد برامجها الوثائقية, بما فحواه , أن هذه العملية قد تكون رسالة إلى أمريكا وإسرائيل , بان البديل لنزع سلاح حزب الله , هو القاعدة وعنفها العشوائي , وعليهم الاختيار بين تطرف يمكن التفاوض معه وبين عنف لا يمكن مفاوضته .
أيمن الظواهري كرر في أحاديثه الأخيرة أن قوات اليونيفيل في لبنان هدف للقاعدة لأنها حرب على الإسلام , مما يعني أن مواجهة القاعدة لليونيفيل هي مسالة وقت مناسب للطرف اللبناني المتضرر من وجودها والقادر وحده على تقديم الدعم اللوجستي لمثل هذه العمليات , وهي المهمة القذرة التي لا يريد حزب الله أن يتولاها ولكن يتركها للقاعدة وللسنة من وراءها , ليبقى هو صاحب البندقية النظيفة والمقاومة الطاهرة . وفي حين تخلى حزب الله عن وصف الوجود المسيحي في لبنان بأنه امتداد للمشروع الغربي في المنطقة وان المسيحيين ليسوا إلا بقايا الإمبراطورية البيزنطية وعليهم الخضوع لسيطرة المسلمين في لبنان , وقد ردد هذا القول السيد حسن نصرالله في احدى خطبه في الثمانينات في سياق دفاعه عن مشروع الجمهورية الإسلامية في لبنان , فان حزب الله وقد توارى هذا الخطاب من أدبياته المعلنة قد ترك هذه المهمة القذرة لبعض السذج من الإسلاميين السنة, لإيصال رسالة لمسيحيي لبنان بان ضمانة وجودكم في لبنان هي تحالفكم معنا لا مع الآخرين .
أما دول الجوار الإقليمي العربية فتوالت الرسائل إليها من تفجيرات إلى خلايا تحوز ملايين الدولارات , وما لم يكشف نقاب الإعلام عنه أكثر ربما , وتمويل تمرد الحوثي في شمال اليمن وهو في مكانه و ظرفه لن يكتفي باليمن وحده أبدا بل انه يطل إلى ما وراء الحدود , وما لدى الأجهزة المعنية ربما أكثر خطورة مما ظهر على السطح , الهدف واضح من كل هذه التحركات ,تفتيت مناطق الاعتدال في السياسة العربية وإضعافها مما يسمح ببروز تيارات العنف المتطرفة ونموها وتحويل هذه المنطقة إلى بؤرة للتطرف ومساحة للفوضى , ليقال للغرب عليكم أن تختاروا بين ما تسمونه تطرف إيراني قادر على التفاوض وبين تطرف آخر منفلت من كل عقال , إن المعادلة لن تكون بين تطرف واعتدال , بل بين تطرف عاقل وتطرف مجنون .
القاعدة هي رأس الحربة الذي تستخدمه إيران في معركتها مع الاعتدال العربي او السني القادر على ملء الفراغ الاستراتيجي في المنطقة في حالة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق , ولمواجهة هذه الحالة الخطيرة لابد للمنظومة العربية من سلوك سياسات هجومية لا تكتفي بالدفاع وردود الأفعال , كما لا يمكن أبدا التعويل على الأجندة الأمريكية في المنطقة , إذ هي أجندة في مداها البعيد تهدف إلى الخراب والدمار والهيمنة المطلقة , وليس قدرا لنا أن نبقى حبيسين لخيارين لا ثالث لهما , خيار واشنطن وخيار طهران ,وما تشهده السياسة العربية في فترتها الأخيرة يشير إلى تحول نحو تبني خيار ثالث مستقل ونحن بحاجة إلى مزيد من الفعل والعزيمة و الإرادة ليتحول إلى خيار استراتيجي شامل .
مواجهة هذا المشروع الذي يريد تحويل منطقتنا إلى ساحة لتقاسم النفوذ الإقليمي والدولي , ويريد تصفية قوى الاعتدال فيها من دول وحركات وتيارات , يكون
أولا : في تقليم مخالب القط التي تستخدمها القوى الإقليمية الطامحة وذلك بدعم خيار المقاومة العراقية الوطنية والإسلامية المعتدلة بشقيها السياسي والعسكري , لتتمكن من مواجهة نفوذ القاعدة المتزايد والذي تغذيه مصادر تمويل ضخمه تقف وراءها أجهزة مخابرات ودول حتى يتحول العراق إلى ساحة فوضى ترتد على المناطق الحاضنة للمقاومة بالدمار والخراب ,وقد بدأت مؤشرات على ذلك في سعي القاعدة إلى مصادرة الساحة السنية في العراق , ومالم ُتدعم المقاومة العراقية الوطنية فان القاعدة سوف تتمدد , ويتمدد معها خراب البصرة ومالطا.
وثانيا : دمج شعوب المنطقة في هذا الخيار الاستقلالي عبر توسيع المشاركة السياسية وترسيخ البناء المؤسسي لدولها , وتعميق العدالة الاجتماعية , وترسيخ قيم المواطنة ,والمساواة وتكافؤ الفرص , ولا يغيب هنا أن الدول المتصارعة والمتنافسة اليوم , إيران وأمريكا وإسرائيل والى حد ما تركيا , تتمتع ببنية مؤسسية تمكنها من دمج شعوبها في خياراتها الاستراتيحية الكبرى , وهذا الدمج لا يتأتى عبر خطاب إعلامي يقترب من الوعظ حين لا يجد بنية وآليات مؤسسية تؤكده وتهيئ المناخ للتفاعل معه . خطاب إعلامي وعظي يتكثف مع المناسبات ثم يختفي ويتوارى بعدها , هذا البناء المؤسسي الهيكلي قادر على مطاردة الفكر القاعدي ومحاصرته وقادر على توفير عوامل الأمان من هزات تترقبها المنطقة على وجل.
وثالثا : عبر مراجعة نقدية لخطاب بعض التيارات الدينية التي تمارس تغذية سياسية , إذ أن بنية هذا الخطاب السياسي الديني في كثير من مساحاته تمارس اطلاقية في الأحكام , وتعميما في الوصف , وما ضوية في التحليل مع يقينية في البرامج والأهداف , مما يجعل من هذا الخطاب بهذا الوصف الذي ذكرناه , درجة في سلم تيار التكفير القاعدي .إذ أن هذا التيار في الحقيقة لا يكلفه التجنيد كثيرا مع وجود هذا الخطاب السياسي الديني ووجود رموز دينية ربما كانت مقبولة عند أوساط كثيرة تقوم بالتبشير بامتلاك الحقيقة المطلقة في كل جزئية من جزئيات الشريعة , وتمارس الإلغاء و الإقصاء لمن خالفها تحت ذرائع و وطرائق شتى , هذا الخطاب الاقصائي هو المرحلة الناجزة , التي تؤسس عليها خلايا القاعدة مشروعها . ومن مظاهر الفوضى التي نعيشها أن بعض من يعلن تصديه لما يسمى المشروع الصفوي هم من حراس الخطاب الاقصائي وسدنته , وهو الخطاب الذي يؤسس لتيار العنف القاعدي الذي بدوره تحول إلى أداة في المشروع المسمى صفوي .
ما لم تتم هذه المواجهة الهجومية الشاملة فان تيار التكفير القاعدي سينمو ويتمدد على حساب تيار الاعتدال , خصوصا ان هناك من يمده بأسباب النمو , فالسبب المالي متوافر , والسبب المعنوي متوافر بشقيه السياسي عبر سياسات أمريكا وممارساتها في المنطقة , والديني عبر وجود خطاب الاقصاء , والسبب الأكبر من ذلك هو الفراغ إذا ُسمح بوجوده وذلك حين يسمح بفراغ العراق من مقاومة رشيدة عاقلة وطنية معتدلة عبر إضعافها ومحاصرتها , إذا تم ذلك فان القاعدة سوف تتمدد في هذا الفراغ والسياسة لا تعرف الفراغ كما هي الطبيعة .
أحدث التعليقات