نقطة التحول

مقالات أضف تعليق

كثير من الأحداث الكبرى التي تمر بالعالم , والتحولات الجذرية في المسيرة الإنسانية , تكون بداياتها فيها قدر كبير من العفوية والارتجالية وغير مخطط لها بشكل محكم , وكثير من هذه الأحداث الكبيرة تبدأ بأعمال صغيرة محدودة لا يتوقع حتى أصحابها أن تصل إلى ما وصلت إليه بعد ذلك . في كتاب بعنوان “نقطة التحول” يتحدث المؤلف عن هذا النوع من التغيير الذي يحدث عند نقطة معينه فيكون انقلاب جذري في لحظة لم يتوقعها احد , ويكون المسبب لهذا الانقلاب الجذري فعل صغير ومن مجموعه صغيرة قد لا يبالي بها احد .

هناك قناعة لدى الكثير من الناس تربط بشكل إلي بين حجم الهدف وحجم الوسيلة المتخذة للوصول لهذا الهدف . هذه القناعة الانطباعية لا مجال لها من الثبات عند عرضها على التجارب التاريخية والبشرية . فكثير من التغييرات الكبيرة كانت شرارتها أفعال صغيرة من قلة لا يبالي بها عظماء عصرها .

في مدينة بالتيمور الأمريكية كانت نسبة المصابين بمرض السيفلس الزائرين للعيادات الطبية , تسير في خط بياني مستقيم إلى أوائل التسعينات , وبين عام 1995 وعام 1996 م قفز عدد المصابين بنسبة 500% وتحول الخط البياني المستقيم إلى زاوية قائمة , هذا التحول المفاجئ كان محل دراسة وبحث من جامعة هوبكنز الأمريكية , وتوصل احد الباحثين لفك شفرة هذا التحول الجذري إلى أن السبب كان في عملية نسف المباني القديمة في المدينة حيث أن المرض كان محاصر داخل منطقة شعبية ضيقة , وعندما تمت عملية النسف لمجمعات سكنية وتوزع أهلها في أنحاء المدينة حصل هذا التحول المفاجئ هذه المعادلة تحكم حتى تحولات التاريخ والمجتمعات.

من شواهد التاريخ على مثل هذا القانون , أحداث مظاهرات الطلاب في فرنسا في 6 مايو من عام 1968 م , وأحداث الثورة الأمريكية ضد البريطانيين , في مظاهرات الطلاب الفرنسية وعلى خلفية احتجاج طلابي تضامني ضد الحرب الأمريكية في فيتنام , اجتمع 200 من الطلاب في باحة السوربون وقامت الشرطة باعتقال بعض الطلاب بعد خروجهم من حرم الجامعة , فتجمع طلاب متضامنون مع زملائهم ووصل العدد إلى الآلاف , وبعد ساعات قليلة تحول الحي اللاتيني الى ساحة حرب مفتوحة بين الطلاب والشرطة الفرنسية , صدم الفرنسيون من عنف الشرطة فخرجوا بمظاهرات من مئات الألوف وانضم العمال إلى جانب الطلاب وتوسعت الاضطرابات قادت بعد ذلك الى تحولات في فرنسا وفي غيرها من بلاد العالم ,هذا التحرك الطلابي قاد كما خلص إلى ذلك مارك كورلانسكي في كتابه “1968السنة التي هزت العالم ” الى تحولات فكرية وثقافية جذرية وبرز في ذلك التحرك ميشيل فوكو وجيل دولوز , وشارك سارتر , ومن جيل تلك الحركة خرجت شخصيات عالمية من أبرزها يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني السابق , ويبل كلينتون , وزوجته هيلاري الذين كانوا من ذلك الجيل الراغب في التغيير وكان تجمع طلابي لا يتجاوز 200 في حرم جامعي بداية لهذا التحول الثقافي والفلسفي العميق في الفكر الفلسفي الغربي .

شاهد تاريخي آخر من أمريكا وحرب الاستقلال ضد البريطانيين , هذه الحرب كان شرارة الانتصار الأمريكي فيها رجل يدعى بول ريفير تحولت قصته إلى حكاية أسطورية يرويها الأمريكيون لأبنائهم اليوم , سمع ريفير بعد ظهر 18 ابريل 1775م وهو قريب من جنود بريطانيين خبر عزمهم على مباغتة قوات الميليشيات الأمريكية في لكسينغتون غرب مدينة بوسطن واعتقال زعماءها , ركب ريفير فرسه وواصل مسيرته يطرق أبواب القادة يخبرهم تلك الليلة عن نية خصومهم ويحذرهم”البريطانيون قادمون ” . وكانت النتيجة أن فوجئ البريطانيون بشدة المقاومة وكانت تلك بداية التحول والانتصار في حرب الاستقلال الأمريكية .

هذا منطق التاريخ في الماضي وهو يتكرر في حاضرنا , وسوف يتكرر في المستقبل , فربما يكون حادث بسيط وصغير يغير موازنات كثيرة لم يتوقعها صاحبها وما لبنان عنا ببعيد .

.

تعليق واحد على “نقطة التحول”

  1. المدير SAUDI ARABIA Windows Vista Internet Explorer 7.0 يعلق:

    كتبت المقال يوم الخميس قبل ان تتكشف الامور بشكل سافر ….والان من الواضح ان مغامرة حزب الله في احتلال بيروت ستكون تداعايتها اكبر مما تصوره المغامرون واسيادهم في طهران الملالي .

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول