تركيا بين الشرق والغرب

عام أضف تعليق

تقع تركيا في منطقة المنتصف بين الشرق والغرب تشكل جسرا يصل شرق الكرة الأرضية بغربها , هذا الموقع الجغرافي الذي ُقدر لتركيا , لعب دور كبيرا في تحديد علاقات تركيا بمحيطها , منذ عصور قديمة .وتركيا تشهد اليوم مع تزايد شعبية حزب العدالة والتنمية فيها ,ومع التحولات الجيوبولتيكية في محيطها الإقليمي , تشهد تركيا تناميا ملحوظا لدور إقليمي متقدم يؤسس لدور أساسي ورئيس لتركيا في السياسة الدولية المعاصرة .

تركيا اليوم وبرغم اهتمامها الملحوظ بالانضمام للاتحاد الأوروبي وما يستلزمه ذلك من الاستدارة نحو الغرب إلا أنها لم تتخلى عن وجهها المشرقي وعن علاقتها بمحيطها العربي والإسلامي , فهي عضو فاعل في المنظمات الدولية والإقليمية , كمنظمة المؤتمر الإسلامي ومهتمة بخط الغاز العربي التركي , وبعملية السلام العربي الإسرائيلي . أنها تبحث عن دور مركزي في واقع سياسي يعاني من صراعات إقليمية ودولية عنيفة .

الذي يريد أن يعرف كيف تفكر النخبة التركية الحاكمة اليوم , وما هو الأفق الذي يحتوي تحركاتها السياسية تكتيكيا واستراتيجيا , عليه الالتفات إلى ما يكتبه الدكتور احمد داود اوغلو مستشار ريس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان , والوسيط التركي بين سوريا وإسرائيل , والذي لقبه البعض بكيسنجر الشرق الأوسط , وهو الرجل الذي يمثل العقل السياسي لحزب العدالة والتنمية وللنخبة التي تقف مع الحزب وهي نخبة تتجاوز التيار الإسلامي المحافظ إلى التيار العلماني المعتدل في تركيا من أنصار ما يسمى بالدولة التركية الثانية .

اوغلوا صاحب كتاب "العمق والإستراتيجية" الذي ضمنه أفكاره ورؤاه عن الدور الريادي لتركيا في السياسة الدولية , وهو سعى من خلال هذه الافكار الى تحويل تركيا من ان تكون بلدا رخوا في أطراف حلف الأطلسي وملحق بالسياسة الأمريكية, إلى أن تكون تركيا ذات دور مستقل تبحث عن الفرص وتقتنصها لتعظم بذلك من رصيدها في موازين القوى الدولية اليوم .

يقول في هذا السياق " إذا ما ألقينا نظرة إلى تاريخ تركيا، نجد أن أجدادنا، على سبيل المثال قد حاربوا على جميع الجبهات في الحرب العالمية الأولى أي دخلوا مع الغرب في علاقات مواجهة. وقد استلمت الجمهورية، أثناء تحولها من الدولة العثمانية إلى الجمهورية التركية، بلدا كان مضطرا لخوض عدة حروب……… وإن ما اقصده بدولة الجبهة الدولة التي تواجه صراعات مستمرة. وعند انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي عقب الحرب العالمية الثانية تحولنا إلى دولة جناح… وتم بلورة سياساتنا الخارجية حسب هذا الوضع الجديد. وبعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة، تم النظر إلى تركيا، كما يشير بعض الكتاب مثل هانتنغتون على سبيل المثال، على أنها دولة أطراف، أي دولة ممزقة توجد على أطراف الغرب من جهة وعلى أطراف الشرق من جهة أخرى…….. فما أقصده من دولة المركز هو تواجد تركيا في مكان قريب من الجغرافيا التي تسمى <<أفرواسيا، أي افريقيا واوروبا وآسيا>> فهي هنا ليست دولة أطراف……فتركيا ليست دولة أوروبية وحسب .. بل هي دولة آسيوية أيضا؛ .. … وعندما نلقي نظرة إلى حضارة ما بين النهرين والحضارات المصرية واليونانية والإسلامية والرومانية والعثمانية، نجد ان تركيا ليست دولة أطراف، بل هي دولة توثر في عدة حضارات وتتأثر بها في الوقت نفسه. فهي دولة مركز من الناحيتين التاريخية والثقافية. وإذا ما ألقينا نظرة إلى خطوط تدفق الطاقة، نجد أن هذه الخطوط تتوه وتُضيع طريقها إذا ما حذفتم تركيا عن الخريطة .."

في هذه الحديث الذي نشر في عام 2004 م لاوغلوا تتركز الفكرة المركزية التي تسيطر على توجهات السياسة التركية التي يتبعها حزب العدالة والتنمية وهي بلاشك سياسة تقاطعت مع تحولات السياسة الدولية بعد أحداث سبتمبر , فأصبحت تركيا ذات الدور المزوج حاجة غربية كما هي حاجة شرقية .

 

 

 

 

تعليق واحد على “تركيا بين الشرق والغرب”

  1. فاري بن نمر Windows XP Internet Explorer 7.0 يعلق:

    قد شدني ماكتب عن التحولات في الحركا الاسلامية ووقوع حزب العدالة بين الكماشتين وما كتب في هذا المقال من الدور التركي في الشرق والغرب وحيث اني لست كاتبا اسلاميا فلن اتوقف طويلا عند ملابسات تأسيس حزب العدالة والتنمية وما أحاط به من اتهامات قاسية من قبل القادة التاريخيين للحركة الإسلامية والتي وصلت إلى حد الاتهام بالعمالة لأمريكا وإسرائيل والادعاء بأن الورقة التأسيسية للحزب قدمت للسفارات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية قبل أن تقدم للدولة التركية.. مثل هذه الاتهامات تبدو على قسوتها متوقعة في الحركات الأيديولوجية التي كثيرا ما تعمد إلى تخوين مخالفيها والخارجين عليها. لكنى ساتوقف عند معالم المشروع الذي يطرحه حزب " العدالة والتنمية" في عدة مجالات: ففي المجال الديني الذي كان دائما نقطة الضعف قدّم العدالة والتنمية تنازلات مؤثرة هربا من تهمة " الإسلامية " التي تلاحقه فأبقى على الحظر المفروض على طلاب مدارس الأئمة والخطباء من دخول الكليات العلمية والنظرية، وأبقى علي الحظر المفروض على دخول المحجبات في الجامعات وكان أقصى ما فعله رئيس الحزب رجب طيب أردوغان أن أرسل بابنتيه للدراسة في أمريكا. بل إن الحزب أرسل في تقريره للمفوضية الأوربية لحقوق الإنسان نفيا قاطعا لأن تكون قضية الحجاب موضوعا لانتهاك حقوق الإنسان..وصرح نائب رئيس الوزراء بأنها لا تمثل مشكلة إلا عند 1.5% من الشعب التركي ! ووافقت حكومة العدالة والتنمية على مطالب الاتحاد الأوربي بإسقاط العقوبات القانونية في حق الزنا حيث كان فعلا مجرما بنص القانون التركي.. أكثر من هذا فقد صدرت ترجمات للقرآن الكريم أسقطت فيها الآيات التي تتحدث عن الجهاد أو اليهود والنصاري… إن مسلسل التنازلات يلخصه ما قاله عبد الله جول الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية: لقد انهارت حضارتنا الإسلامية ولابد من تغيير قيمنا تبعا للواقع الجديد! أما في المجال الاقتصادي الذي قال الحزب أنه سيكون محور تركيزه بعيدا عن الجدل الديني.. سنلاحظ أن الحزب تبنى سياسة اقتصادية تقوم على الإدماج التام لتركيا في الاقتصاد العالمي وربطها بقوي الرأسمالية الغربية الكبري دون أي مساحة للاستقلال أو حتى المناورة .. ربما نجح الحزب في رفع معدل النمو الاقتصادي وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية ( الليرة ) التي كانت في انهيار مستمر.. وربما أعاد للاقتصاد التركي بعضا من الاحترام الذي أهدرته الحكومات السابقة فأفقدت العالم الثقة فيه.. لكن الثمن كان غاليا. لقد ربطت حكومة العدالة والتنمية تركيا وإلى غير رجعة بمراكز الهيمنة الغربية التي أنعشت الاقتصاد التركي ولكن جعلته هشا خاضعا بالكلية لدوائر النفوذ والمال في الغرب.. تقول المؤشرات إن 65 مليار دولار من حجم تعاملات البورصة لمستثمرين غربيين وكلها أوراق مالية لا صلة لها بالاستثمار الحقيقي، وهو ما يهدد الاقتصاد التركي بتكرار تجربة جنوب شرق آسيا أو انهيار النمور الآسيوية في حال رغبة بعض كبار المستثمرين في فعل ذلك. كما أن 70% من ودائع البنوك التركية هي ودائع غربية تدفع عليها البنوك التركية فوائد هي الأكبر من نوعها في أوربا ( تصل 15 % )..ولن نتوقف طويلا عند قضية الفوائد من الناحية الشرعية بعدما أكد طيب أردوغان أنه لا مفر من الفوائد لبناء الاقتصاد.. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حجم ديون البلاد من 221 مليارا قبل خمس سنوات إلى 383 مليارا. ورغم ارتفاع معدلات النمو في الاقتصاد التركي في فترة حكم العدالة والتنمية والتي انعكست على شعور المواطن التركي معها بالاستقرار إلا أنها لم تعكس تحسنا في وضع هذا المواطن بقدر ما ذهبت ضحية سوء توزيع الدخل بسبب هيمنة رجال الأعمال الذين امتصوا هذا النمو وهو ما يمكن أن نفهمه من الإحصاءات الأخيرة التي نشرتها مجلة فوربس عن أغنى أغنياء العالم حيث ارتفع عدد المليارديرات الأتراك في السنوات الخمس الأخيرة إلى 24 مليارديرا بدلا من 6 فقط قبل حكم العدالة والتنمية. أما في السياسة فقد تراجع رجب طيب أردوغان عن خط التوجه شرقا ( جوهر مشروع أربكان ) بدعوى أنه يسبب الاستقطاب الدولي فجمّد مشروع الثمانية الإسلاميين الكبار وأدخل تركيا في أوثق تحالف لها مع الولايات المتحدة بهدف دعمه في مشروعه البديل: اللحاق بقطار الاتحاد الأوربي. ففي المجال السياسي  قبل أردوغان مشروع الشرق الأوسط الكبير بكل تفاصيله بل أعلن دعمه الكامل له وسعيه لتنفيذه حتى صار يعرف بعرّاب مشروع الشرق الأوسط الكبير، وصار يتحرك في المنطقة لدعم المشروع بحيث صار أحد أهم الوسطاء لترويج السياسة الأمريكية في المنطقة. لقد تبرعت حكومة العدالة والتنمية بعرض توصيل مياه نهري دجلة والفرات إلى إسرائيل وليس دول الجوار فقط ( سوريا والعراق وإيران )، كما سمح بفتح موانئي تركيا وشواطئها لقبرص الجنوبية نزولا علي إرادة الاتحاد الأوربي. حتى والبرلمان التركي يعلن رفضه عبور الطائرات الأمريكية الأجواء التركية لضرب العراق عام 2003 كانت حكومة حزب العدالة والتنمية صاحبة الأغلبية فيه تسمح فعليا للقوات الأمريكية بضرب العراق سواء من قاعدة أنجرليك أو ميناء الأسكندرونة.

    في حين لم يتقبل بعض  اعضاء الحزب والمؤيدون له هذه الارقام والاحصاءات ولكن اتفق الجميع على أنه لا يصح قراءتها بل وقراءة التجربة كلها إلا في ضوء تعقيدات الوضع التركي والعالمي. فليس بإمكان حكومة العدالة والتنمية الدخول في صدام قانوني ودستوري مع القوى العلمانية من أجل قضايا المحجبات أو طلاب مدارس الأئمة والخطباء.. ومن الأفضل إنجاز تعديلات عامة في قضايا الحريات يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مناخ مناسب مستقبلا لطرح القضايا المتعلقة بالحريات الدينية. ثم إن بلدا مثل تركيا ليس باستطاعتها تبني سياسة الاستقلال عن النظام الاقتصادي العالمي سواء فيما يتصل بالعلاقة مع المراكز والمؤسسات الاقتصادية العالمية كصندوق النقد الدولي أو الشركات العالمية أو فيما يتصل بأسس التعاون الاقتصادي العالمي.. كما أن الحكومة تبنت بالفعل سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم العربي وآسيا وأفريقيا ولكن من دون أن تربط هذا الانفتاح بخطاب سياسي أو بشعارات دينية أو قومية، بل بالمصلحة الاقتصادية البحتة. كما أن المعادلة الدولية الحالية تجعل من المستحيل على تركيا أو غيرها تبني سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة فضلا عن أن تكون معارضة لها أو ساعية لعمل تحالفات ضدها.. وحتى الدول التي تبنى أربكان التعاون معها ( الثمانية الإسلامية الكبار ) هي دولة غير مستقلة في إرادتها السياسية وتكاد تكون خاضعة تماما للولايات المتحدة. والأفضل فهم التحركات الدبلوماسية التي تقوم بها حكومة العدالة والتنمية باعتبارها تهدف إلى إعادة هيبة تركيا وثقلها في المعادلة الإقليمية والدولية حتى لو بدت لاعبا محسوبا على الإدارة الأمريكية. وأنها مع التزامها التحالف الأمريكي إلا أنها تسعى لتحسين شروط هذا التحالف بما يحقق المصلحة الوطنية التركية
    اكرر اسفي 1000 على ااطالة

    وفي امان الله

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول