تمر الأحوال الدولية بلحظة تقلبات وتبدلات في مراكز القوى ودوائر النفوذ , تشهد صعودا لقوى جديدة أو مزيدا من البروز لقوى قديمة ولكنها كانت في وضعية اقل من حيث القوة والنفوذ , كما تشهد هذه اللحظة انحسارا في نفوذ قوى الهيمنة التقليدية وتراجع لدورها مع أنها لم تفقد قوتها بعد إذ لازالت تسيطر على مساحات كبيرة من الفعل السياسي والاقتصادي .ويتوازي مع هذا القلق المصحوب بحالة مد وجزر للصراعات على مستوى القوى الكبرى وتقاطعاتها المصلحية , حالة من القلق والسيولة على المستويات الإقليمية والمحلية في مناطق العالم كله , فأمريكا تشهد تصاعدا لبروز موجة من الأفكار الجديدة التي تسعى إلى إحداث تغييرات على السياسة الأمريكية في الداخل الأمريكي وفي الخارج وتصطف هذه القوى خلف المرشح الديمقراطي باراك اوباما .
في الدول الإقليمية نشهد تحولات وصراعات داخلية , تتساوق مع قلق الحالة الدولية وتتقاطع معها , ابرز معالمها , بروز نخب جديدة لديها رؤى وأفكار مختلفة وهي تخوض صراعاتها مع النخب التقليدية التي لازالت تعتقد أن بإمكانها المحافظة على أوضاعها القديمة, نشهد ذلك بشكل جلي في تركيا وإيران ومصر , في تركيا برز حزب العدالة والتنمية والذي جاء برؤى وأفكار متقدمة حول السياسة التركية استطاع أن يكسب من خلالها تأييد قطاعات واسعة من المجتمع التركي تجاوز فيها الانكفاء على القاعدة الدينية المحافظة التي كانت تؤيد الأحزاب الإسلامية في نسختها الاربكانية إلى اكتساب تأييد النخبة العلمانية المعتدلة, كما جذب خطابه الاقتصادي المتبني لاقتصاد السوق طبقة رجال الأعمال , وجذب خطابة التنموي ونزوعه إلى بناء دولة المواطنة رضا الأقليات في تركيا .ومن اللافت للانتباه هنا أن القوى المحافظة الاتاتوركية والاربكانية هي من يقف في وجه هذا التحول الاردوغاني.
في إيران , أيضا نشهد مدا وجزرا لازال قائما بين النخب الإصلاحية والتي تمددت حتى داخل تيار المحافظين ,ولم يكن احد يتصور أن إيران الخمينية وتصدير الثورة, سوف تنجب بعد عشر سنوات على غياب الخميني , تيارا إصلاحيا واسعا يقوده مفكر بدرجة فيلسوف مثل محمد خاتمي .
أما النموذج المصري فهو في طريقة للتشكل , إذ يلاحظ المراقب للحالة المصرية أن تيارا جديدا في طريقة إلى دخول الساحة السياسية في مصر لا ينتمي إلى قطبي الحالة المصرية , العسكر ومعهم الحزب الوطني الحاكم في مقابل الإخوان المسلمين والحالة الدينية الملتصقة بهم .ففي حين سادت هذه الثنائية القطبية وهيمنت على المجال السياسي المصري لأكثر من ثلاثة عقود فإننا نشهد بدايات لنهايتها وبروزا لتيار سياسيا له جذوره الشعبية التي تمكنه من امتلاك القدرة على التأثير في دولة لديها هامش معقول من الديمقراطية. هذا التيار ربما يكون تشكله النهائي على الطريقة التركية , وهو انشقاق التيار الإسلامي المصري على طريقة ما جرى في تركيا , إذ تنفصل المجموعة العقلانية والمدنية في التيار عن المجموعة الأيديولوجية , وتندمج مع النخب السياسية الجديدة والصاعدة ,وهذا الانفصال قائم على مستوى الفكر والممارسة إذ لايوجد في الحقيقة ما يجمع بين التيارين إلا بعض الأدبيات الشكلية , فمناطق الافتراق واسعة وكثيرة فالعلاقة مع العالم الخارجي قائمة لدى فريق على المفاصلة التامة والبراء المطلق متكئتا على التراث القطبي , بينما هي قائمة لدى الفريق الآخر على المصالح المتبادلة, أما العلاقة مع الداخل الوطني فهي قائمة لدى فريق على مقولات التكفير والإقصاء من الناحية العملية والنظرية وان بشكل موارب, بينما حسم الفريق الآخر مسالة المواطنة والقبول بالتعددية الفكرية والسياسية .
إن حالة القلق التي تعيشها السياسة الدولية والإقليمية تلقي بظلالها على الحالة الإسلامية بكل تأكيد وهي تمنح هذه الحالة الفرصة نحو إعادة تشكلها خارج الأطر التقليدية المحافظة وهو أمر لو حدث في الحالة الإسلامية وبرز تيار إسلامي يؤمن بالمدنية وينفي نظرية الوصاية من فكره السياسي فان تبدلات كثيرة على المشهد السياسي سوف تبرز وربما تكون الحالة الإسلامية الفلسطينية أولى تأثيرات هذا التحول .
أحدث التعليقات