بين خطابين…

مقالات أضف تعليق

بين الخطاب السياسي الذي تقدمه جماعة أو حزب أو دولة، وتحدد به رؤيتها لعلاقات الصراع والتحالفات، والخطاب الشرعي الخاص المبتوت عن السياق المصلحي العام، وعن مقاصد الشريعة الكلية وشموليتها بحسب النظرية الإسلامية, فروق وتباينات، قد تسبب في بعض الأحايين أزمات وصدامات بين منظومتين كل منهما تعمل في مجال معزول عن الآخر.
الخطاب الشرعي المنكب على الجزئيات سواء في القراءة التفسيرية لنصوص الدين المقدسة أو في ملاحقة جزئيات الحياة المتوالدة ومحاولة ترسيم وتحديد موضعها في المنظومة الشرعية لا يمكن له أن يحل بديلا عن خطاب المقاصد الكلية للدين، ولا أن يؤدي دوره، والخطاب السياسي الذي ينزع دائما إلى الاهتمام بجوامع المصالح، ومراعاة الغايات الكبرى، وتحديد علاقة الأحداث المتوالدة بهذه الغايات والمقاصد، لا يمكن له أن ُيبنى على خطاب جزئي، فالكلي لا يتفرع من جزئي أبدا, بل هو لا يبنى إلا على خطاب شرعي مقاصدي كلي.
وقد تولد عن هذا الخلط بين الخطابين، وعن سيطرة الخطاب الشرعي الخاص البعيد عن الروح المقاصدية الكلية عدد من الأزمات في مواقف الاتجاهات والتيارات الدينية من بعضها البعض، كما من بعض هذه التيارات تجاه حكوماتها ودولها.
الخطاب الشرعي مسكون بالحفاظ على الخصوصية الشرعية التي يمثلها وهي خصوصية تأتي ضمن مساق عام تحتشد فيه خصوصيات كثيرة تعبر عن نفسها بأشكال وهيئات مختلفة وكلها تلتمس الصواب، فالصوت الذي يعلو في الخطاب الشرعي هو الصوت الذي يبرز نقاط الاختلاف مع الآخر, والتضاد معه، والحجج كلها تساق لإثبات هذا المنطق ومناصرته. بينما في الخطاب السياسي يتم التركيز على المشتركات والبحث عن المتفق عليه, ويتراجع البحث في الصواب الشرعي الجزئي, ليحل مكانه البحث عن الصواب المصلحي فالخطاب السياسي لا يتوجه إلى طائفة بعينها أو مذهب أو حتى دين أو ملة وإنما يتوجه إلى مجموعة من البشر تجمعهم مصالح مشتركة ومصير مشترك كشعب من الشعوب تربطهم الجغرافيا بمصير قدري لا مناص منه فلو تقدم المنطق الشرعي الخاص في هذه الحالة وتغلب البحث عن الصواب الشرعي في صياغة الخطاب السياسي فان ذلك يقود مباشرة إلى الدخول في لعبة صراعات داخلية تدمر الأطراف كلها.. الخطاب الشرعي الخاص عليه في مثل هذا الحالة أن يتراجع إلى الوراء قليلاً ويفسح المجال لخطاب قائم على البحث عن القواسم والمشتركات في الحاضر والمستقبل التي يمكن أن تجمع فرقاء الساحة وتؤلف بينهم.
الخطاب الشرعي يتميز بحرصه على ما يسمى بالصفاء العقدي والنقاء المنهجي وعلى هذا الأساس يرسم الخطاب دائرة المناصرين والمعارضين ويكّون الخطاب تحالفاته بناء على درجات الصفاء التي يمنحها للآخرين وقربهم من صفائه ونقائه. والقراءة التي يقدمها الخطاب للآخر هي قراءة تستصحب التاريخ وتحاول أن تدفع دائما بهذا التاريخ إلى واجهة الصراع وان تحيل تفسير الحاضر إلى التاريخ الذي مضى. بينما الخطاب السياسي لا يعول كثيرا على درجات الصفاء وان كان لا يغفلها بالكلية إلا أن مناط التحالفات لديه هو مناط مختلف عنه في الخطاب الشرعي، فقد تحالف الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة ضد المشركين، فالتركيزفي الخطاب السياسي على الحد الأدنى من الاتفاق والبناء عليه وتطويره بينما الخطاب الشرعي يركز على الحد الأدنى من الاختلاف ويبني عليه وتبعا لذلك يصاب الأداء السياسي لمن يتبنى مفردات الخطاب الشرعي الخاص كما هي بشيء من التجمد وعدم القدرة على الحراك والخروج من الدائرة الضيقة التي تحيط بأنصار هذا الخطاب إلى دائرة أوسع وأرحب.
والخطاب الشرعي الخاص يتميز بالغرق في التفاصيل والجزئيات والانهماك بها إذ إن المكونات الرئيسية والملامح التي تمنح هذا الخطاب الشرعي فرادته وخصوصيته هي في اغلبها جزئيات وتفاصيل أما الكليات فهي محل اتفاق من الجميع. وهذا بعكس الخطاب السياسي الذي لا يهتم كثيرا بهذا الجزئيات وهو خطاب منشد دائما إلى المشتركات والكليات

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول