الندوة التي نظمتها مؤسسة الإسلام اليوم عن الخلاف كرؤية واقعية تستحق الإشادة فالعصر الذي كان يسيطر فيه على الناس اتجاه واحد دون أن يواجه أي تحد حقيقي أو منافس على الساحة الشعبية , قد انتهى ولم يعد له وجود . فالخبر والفتوى والرؤية والتحليل والرأي أصبحت معروضة في سوق العولمة الاتصالية ,و بمتسع كل شخص أن يختار منها ما يشاء ويقارن فيما بينها ,فيفضل هذه على تلك دون أن يلتزم باتجاه واحد أو رؤية واحدة .هذا الانقلاب التقني على مفاهيم الإعلام التقليدي ولدت في الواقع تعددية الآراء وتباين الاجتهادات واختلاف الأفكار, بل حتى إمكانية تغيير هذا القناعات والآراء وتحول الإنسان من اليمين إلى اليسار والعكس بكل سهولة وبدون معوقات نفسية واجتماعية شديدة .وهو ما يعظم من أهمية موضوع الخلاف وكيفية التعامل معه ,حتى لا ينزلق المجتمع إلى صراعات ثقافية ودينية عديدة بين القاعدة الاجتماعية الشعبية والنخب العلمية ,وبين هذه النخب العلمية فيما بينها ,وبين تيار الفقهاء العلمي الذي يمثل ما سمي يوما بالصحوة والتيار المصنف لدى هؤلاء بالليبرالية وغيرها من مرادفات ومشتقات .
هذا الموضوع ليس موضوعا هامشيا بالإمكان الاكتفاء بعقد ندوات موسمية له, ثم الانفضاض وعودة كل شئ إلى مجراه . بل انه من الأهمية بمكان أن يكون موضوعا له الأولوية لدى النخب العلمية والثقافية من اجل تجاوز مناطق صراعية كثيرة لازال بعضها مشتعلا بطريقة مثيرة للقلق .وحسنا فعل منظموا هذه الندوة حين قرروا إصدار تقرير سنوي عن الخلاف وكيفية التعامل معه من قبل الأطراف المختلفة من اجل أن لا يكون الأمر طرحا نظريا مجردا بعيدا عن الآلية الرقابية التي تواجه المشكلة بشكل مستمر ودائم من اجل القضاء عليها لا تهدئتها وتسكينها .
في الحقيقة برغم أن ما سمي بالصحوة الإسلامية تستند في مشروعية وجودها على ندائها بالعودة إلى الشريعة الإسلامية بشكل شامل ,إلا أن كثيرا من قطاعات هذه الصحوة وبرغم مرور عقود من الظهور والبروز عليها , لم تستطع أن تحسم بشكل بين وواضح ما كان محسوما في التاريخ التشريعي الإسلامي , أي أنها فشلت في استعادة منجز تحقق منذ قرون في العهود الإسلامية الأولى , بل إنها ربما ساهمت في تغييب هذا المنجز وتهشيمه . إن المتأمل للتراث الفقهي الإسلامي يجد ان هناك وضوحا كبيرا لدى فقهاء المسلمين في التفريق بين ما هو قطعي من الأدلة وما هو ظني وبالتالي فان ما تولد من الأصل القطعي فهو قطعي لا مجال للخلاف عليه وما تولد من الأصل الظني فهو محل لتباين الاجتهادات فيه واختلافها وتعددها ,وقد أشار احد المشاركين في الندوة إلى هذا المفهوم . وبرغم هذا الوضوح الحاسم في كتب الأصول لهذا الأمر إلا أن المتأمل لما قامت به الصحوة في عقودها الماضية أنها أدارت معاركها بشكل عنيف مع خصومها في قضايا هي في اغلبها أن لم نقل في جميعها مما يدور في منطقة الظني من الشريعة وليس القطعي والأمثلة على ذلك كثيرة وعديدة .
إن هذا الفشل الصحوي الذي تمثل في عدم الحفاظ على هذا المنجز السلفي العظيم ,وهو التفريق بين القطعي من الأدلة والظني يطرح تساؤلات كثيرة حول الأهلية العلمية الشرعية لكثير من الرموز الصحوية , إلا إذا كان تعاملها مع المسائل الشرعية كان تعاملا أيديولوجيا لتوظيفها في صراعاتها مع الخصوم دون مراعاة للقواعد الشرعية الإسلامية في ذلك .
إن مما يعزز هذه الندوة ويمنحها فرص تحقيق أهدافها المتوخاة , أن تقوم مؤسسة الإسلام اليوم والتي يشرف عليها شخصية علمية وفكرية ذات احترام لدى الجميع , بإصدار مراجعة لتاريخ الصحوة الإسلامية في السعودية منذ بداية الثمانينات في طريقة تعاطيها مع المخالفين والحملات التي شنت على شخصيات ثقافية وعلمية داخلية وخارجية وتسببت هذه الحملات بتشويه معنوي لهم خصوصا وان كثيرا من هذه الحملات الاتهامية كانت تدور في دائرة الظنون من الآراء والأحكام وحينها إذا ثبت تجني هذه الحملات الدعائية فان من حق الضحايا أن يقدم لهم اعتذار عن ذلك .
أحدث التعليقات