حوار ثقافي

عام أضف تعليق

لازال صراع الهوية والحداثة و الماضي والحاضر و الأصالة والمعاصرة يحكم الحياة العربية منذ أكثر من قرن ولم يحسم بعد ,هذا الصراع العربي – العربي حول مسائل النهضة والتقدم والحداثة ولد انقساما بين الفئات المنشغلة بهذا الهم الوطني والقومي , بين من يرى التقدم والتحديث يأتيان من بوابة الماضي وبالتالي فان التمسك بالثقافة العربية مع تشذيبها من زيادات ألمت بها هي المنطلق الحقيق نحو التقدم , وفريق اخر يرى ان الانطلاقة الحضارية تحتم على العربي الاتجاه ببصره إلى ما وراء المتوسط حيث الحضارة المعاصرة و العقلانية والعلم والتطور والحالة الثقافية التي تجاوزت أغلال وقيود القرون الوسطى . وفي كلا الاتجاهين مسارات متعددة تقترب وتبتعد عن نقطة المركز إلا أنها لا تنفك عن الدوران حولها . فهناك من يخلط في أطروحاته الثقافية بين الحفاظ على الماضي الإفادة من المنجزات الحضارية و في جانبها التقني فقط ,إلا أن القيمة الرئيسية التي تحرك هذا الخطاب تظل هي الماضي ويترجم هذه المركزية التي يحتلها الماضي بالمناداة المستمرة بالتمسك ببقاء منظومته التقليدية بكل هيئتها دون أن يمسها تغيير وبالتحذير من القادم الجديد .ويظل الحنين إلى هذا الماضي , وهو ماضي ممتد عبر قرون فيه ما يستحق التمسك به وفيه ما يحتاج إلى إعادة نظر واجتهاد , يظل هذا الحنين حلما يلهب خيال هذا الخطاب ويحركه أكثر من أي شئ آخر , فهو لا يرى المستقبل إلا امتدادا لظلال الماضي الذي يحن إليه , لا إبداعا جديدا يتوق إليه . وفي الجانب الآخر نجد أيضا من قدم خطابا عصريا حديثا في جوهرة إلا انه يلبسه رداء من الماضي دون أن يغير جوهر خطابة التحديثي أو ينتقص منه شئ .

العلاقة بين التيارين كانت خاضعة لمنهج سجالي يعمق الخلافات ويوسع الهوة بينهما , منهج لا يمكن له إلا أن يؤسس لحرب أهلية ثقافية تتحول فيها الحجة والبرهان والمنطق إلى ضحايا منبوذة لا مكان لها , بينما تتصدر الايديولوجيا الانقسامية ساحة المعركة متوسلة بكل ألوان المغالطات والتناقضات , فيصبح الألم الذي هو في الأصل منطلقا للتوحد والاجتماع , نقطة للتشظي المجتمعي والتحارب الثقافي , وتتحول الخصومة الثقافية إلى خصومات اجتماعية وسياسية توسع من ساحة المواجهة لتصبح الحالة الشعبية متاريس لهذا الفريق أو ذاك .

العالم العربي ُحكم بهذا النوع من الصراع بين التيارين منذ قرن ويزيد ولم ينتقل بعد إلى الحوار بينهما لان الحوار أصبح لدى كل فريق هو تنازل وتراجع عن قطعيات ونهائيات وإذا تم نوع من الحوار تحت ضغوطات الواقع فإنها حوارات قائمة على المخادعات اللفظية أكثر منها حوارات جادة للوصول إلى حالة ثقافية جديدة.

الحوار الجاد لابد أن ينطلق من طرح التساؤلات الجذرية حول مواقف كلا الطرفين وتصورهما للعلاقة بينهما حتى يمكن لهذا الحوار أن يولد قبولا بالآخر الثقافي المحلي دون أن يصادر حقه في الاجتهاد والتفكير تحت مبررات أيديولوجية عديدة .

هذا الانقسام الثقافي , حول الموقف من الماضي والرؤية للمستقبل , و الدور الذي ينبغي أن يكون للتاريخ في صياغة الواقع والآمال والطموحات , وما هو الموقف من الآخر الذي يمتلك الحضارة ووسائل التقدم , انقسام حول الحداثة الغربية و تأثيرها على الثقافة العربية وما هي معالم التحديث التي نحتاج إليها , وكيف يتم ذلك وغيرها من ملفات الخلاف الثقافي, هذا الانقسام , بحاجة إلى حوار ثقافي عربي – عربي أكثر عمقا مما جرى ويجري وأكثر جدية أيضا , حوار ربما يساهم في وضع القطار الثقافي العربي على السكة الصحيحة , فالسياسة العربية تظل بحاجة إلى بنية ثقافية تساعدها على النجاح , والحوار الثقافي ربما يصنع هذا البيئة .

 

 

 

.

3 عدد التعليقات على “حوار ثقافي”

  1. محمد المغلوث SAUDI ARABIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0 يعلق:

    أهلاً أ. عبدالمجيد ..
    لا أعلم إن كنت قد اطلعت مسبقاً على كتاب [ الإسلاميون و سجال الهوية و النهضة ] للصحفي الرائع نواف القديمي أم لأ ..
    أتاحت لي فرصة أكبر و أوسع لمعرفة هذا الصراع .. بل و محاور هذا الصراع سواءاً ما يتعلق بإصلاحات الدين / التاريخ أو ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع [ الآخر ] ..

    أنصحك بـ الإطلاع عليه ..

  2. عبد المجيد Windows Vista Mozilla Firefox 2.0.0.15 يعلق:

    اهلا بالمقدام
    كتاب القديمي  اعرفه ولكن لم انل حظ قراءته الى الان …واعدك بقراءته …
    ويظل في ظني ان  من افضل من تناول هذه الاشكالية برهان غليون في مجموعة كتبه …..

    لكن ما قلت لنا انت وصلت السعودية…؟

  3. محمد المغلوث SAUDI ARABIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0 يعلق:

    ايه نعم قبل اسبوعين تقريباً ..
    هل لك زيارة للشرقية قريباً ؟

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول