الخطاب القاعدي

عام أضف تعليق

الذي يتأمل الخطاب القاعدي يلحظ أفكارا مركزية تمثل جوهر الخطاب, وتؤسس لبنية عميقة تتجاوز القشور البلاغية التي يغلف بها هذا التيار بياناته وأدبياته , هذه الأفكار المركزية تؤسس البنية التحتية التي ينهض عليها البناء الفوقي للتيار وبدون هذه البنية التحتية العميقة فان بقاء واستمرار التيار القاعدي تغدو أمرا بالغ الصعوبة, أما تجاهل هذه البنية التحتية وخوض المعركة مع البناء الفوقي فقط فلن يقود إلى نتائج حاسمه ونهائية.

من هذه الأفكار المركزية في الخطاب القاعدي تأتي المواجهة مع الغرب كمقدمة حتمية لابد من خوضها من اجل إضعاف الغرب ودفعه عن مراكز القوة العالمية التي يحتلها , وهذا الضعف الغربي هو الذي سيمكن العالم الإسلامي من استعادة القوة والمكانة التي يحلم بها الكثيرون من أبنائه .أي أن هناك علاقة عكسية وتضادية في هذا الخطاب بين الغرب والعالم الإسلامي فلا يمكن أن تجتمع القوة والحضارة لهما في الوقت عينه ,بل لابد أن يحل احدهما مكان الآخر فلا مجال لأي حوار أو لقاء أو تعاون إذ تتحول كل أشكال الحوار والتعاون إلى نوع من أنوع الشرك وذريعة إلى الردة عن الدين إن لم تكن هي الردة بعينها.

الخطاب القاعدي ينطلق من هدف رئيسي يسعى إلى تحقيقه وقد تم اختزال مشاكل العالم الإسلامي التي طوتها قرون عديدة دون أن تجد من يحاول اقتلاعها , هذه المشاكل تم اختزالها بمظهر سياسي هو سقوط الخلافة عام 1924م وبالتالي فان استعادة هذه الخلافة سيكون الحل الناجع لمشاكلنا ,وهذه الفكرة التي يستبطنها الخطاب القاعدي بشكل جذري تقوم على افتراضات خاطئة أو متوهمة , فهل كان العالم الإسلامي معافى من الأزمات والأمراض قبل الإعلان الشكلي عن إلغاء خلافة هي شكلية بدورها .و لماذا لا يفترض هذا الخطاب أن إلغاء هذه الخلافة هو النتيجة الحتمية للمسار التراجعي الذي حكم العالم الإسلامي منذ قرون طويلة.

ثم إن هذا الخطاب يفترض شكلا محددا للخلافة الإسلامية جاعلا منها دعوة للغرق في طوباوية ترتد إلى ماضي متخيل لم يتحقق و لا إمكان لان يتحقق في العصر الحديث . هذا التعلق برسوم الخلافة يجعل هذا الخطاب لا يرى أن الرابطة السياسية التي تجمع العالم الإسلامي موجودة اليوم ولا حاجة لان يخوض رحلة الدمار والخراب من اجل تحصيل أمر موجود وقائم. إن منظمة المؤتمر الإسلامي هي رابطة سياسية تجمع المسلمين ,كما أن جامعة الدول العربية تجمع العرب , وان كان دور المنظمة دورا ضعيفا في السياسة الدولية فما ذلك إلا نتاج الضعف والتخلف الحضاري الذي يعيشه العالم الإسلامي وهو التخلف الذي يمثل الخطاب القاعدي احد حراسه والقائمين على رعايته . إن تفعيل دور المنظمة في السياسة الدولية بحاجة إلى تزايد عدد الدول الإسلامية التي تقفز الحاجز الحضاري وتلحق بركب الحضارة العالمي وتعمق الاستقرار والسلم الأهلي بداخلها , فتزايد هذه الدول في المنظمة هو الطريق تحو حيازة دور ريادي في الواقع الدولي المعاصر وهو عكس ما يدعو إليه الخطاب القاعدي من تفجير المجتمعات الإسلامية وتمزيق نسيجها الاجتماعي وخلق استقطابات حادة تؤسس لحروب أهلية بداخلها .أي إن الوصفة القاعدية التي قدمها كتاب إدارة التوحش هي وصفة للدفع بالعالم الإسلامي خارج التاريخ وربما إلى الأبد .

أما الفكرة الحارسة للخطاب أمام جمهوره وأتباعه والمتأثرين به فهي الوصاية على الأمة والافتئات عليها بدون تفويض منها في ذلك , فكل أدبيات الخطاب القاعدي تتحدث عن أقلية تفرض برنامجها وأفكارها على الأغلبية , ويتم إبعاد الأغلبية بحجة الردة أو النفاق أو القعود عن الجهاد أو الخروج عن طاعة القيادة العليا كما أفصح عن ذلك كتاب إدارة التوحش . والأمة في هذا الخطاب ليست إلا مجموعة من العوام , وعلماء الفقه والشريعة والاجتماع والسياسة والفكر مشمولون هنا بوصف العوام, فالايديولوجيا تعيد تعريف المصطلحات دائما بما يتوافق مع مصالحها . نخلص من هذا أن العلاقة التضادية مع الغرب, والخلافة, والوصاية على الأمة, أفكار مركزية في بنية الخطاب القاعدي لابد من تفكيكها ونقدها وتصويبها.

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول