العشرة الاوائل

عام أضف تعليق

على طريقة التصنيفات العالمية للاغاني والأفلام الـ “topten”, لدينا قائمة من العناوين والاهتمامات التي تتنافس على سلم تصنيفي للرأي العام المحلي والعربي وأدوات صناعته الإعلامية والثقافية والدينية, يشابه سلم العشرة الأوائل. كثير من هذه العناوين التي تتنافس على سلم الرأي العام هي قضايا هامشية وبعيدة عن أولويات التنمية والتحديث التي ينبغي أن ينخرط فيها المجتمع .و ربما كان الخوف والقلق على الهوية النقية المطهرة من كل ما يخدش عذريتها هو المحفز الأول نحو هذا السباق المحموم على هذا السلم التصنيفي العشري .

مقياس التقدم في درجات التصنيف تعتمد على عدد ونوع الخطب والندوات والمحاضرات والمقالات التي تتناول الموضوع , كما تعتمد على رسائل الجوال أو رسائل البريد الالكتروني …التي تحذر من موقف معين أو تطلب التأييد لموقف اخر أو غير ذلك , ومن هذه المعايير التصنيفية ما يكتب في صفحات الانترنت , في المنتديات والمدونات والمواقع العامة والشخصية .

المجتمعات العربية تتميز بأن كثيرا من القضايا التي لا علاقة لها بصناعة المستقبل ,تحتل قائمة الاهتمامات هذه , وعلى الطريقة التصنيفية ذاتها ,تظل قضية معينة لفترة من الزمن ثم لاتلبث أن تتراجع أمام قضية جديدة أو قديمة تم استدعائها من جديد. ومن هذه القضايا التي سوف نستقبل موسم صعودها إلى المرتبة الأولى , الحساب الفلكي لتحديد دخول شهر رمضان والعيدين , فهناك من يعتقد أن حسم هذه القضية سوف يقود إلى توحيد المسلمين , هكذا يعتقد هؤلاء وبكل بساطة !.

ليست المشكلة في وجود اهتمام بأشياء بعينها ولكن المشكلة حين يتحول هذا الاهتمام لدى البعض إلى قضية الساعة الأولى ويحول البعض هذه القضية من مستواها الهامشي ,وما أكثر” سكان الهوامش” في حياة الإنسان , إلى أن تكون قضية مصير يتم التعامل معها يمنطق مؤدلج ينزع من بئر المفردات العربية العتيقة الجديدة , الخيانة والعمالة والغزو الفكري والمؤامرة العالمية ..الخ

قضايا مثل محلات بيع الملابس النسائية , وارتداء ممثلة أو مذيعه للحجاب ,ورواية أدبية , ومقال في صحيفة ,ومسلسل في قناة , وغيرها كثير , تتحول هذه الأشياء بسبب هذه المنهجية الانفعالية إلى قضايا رأي عام مطلوب أن تحدد فيها موقفا, مع أو ضد , بل إن البعض يحولها إلى أزمة اجتماعية يؤلب من خلالها ضد من يخالفه الرأي فيها. المشكلة هنا ليست في تناول هذه القضايا أو تحديد موقف منها أو بيان هذا الموقف للناس ولكن المشكلة في السعي لتحويل هذا القضايا إلى أولوية مجتمع بأكمله عليه ن يحتشد فيها وان يظن البعض أن حسم الرأي فيها لصالحه هو طريق الخلاص من كل مشاكلنا الأخرى ..

بسبب هذه المنهجية الانفعالية تحولت مجتمعاتنا إلى مجتمعات تنتظر ما يفعله الآخرون لتقرر هي ردة فعلها وتظن أنها بردات الأفعال هذه تصنع مستقبلها , وهي في الحقيقة تمارس بذلك دور التغطية على مشاكلها دون أن تقدم حلا لها . فلك أن تتصور مجتمعا يعيش خلال العام كله مشدودا إلى عناوين هامشية تستنزف جهده وعقلة وعاطفته وهذا العناوين لن تغير كثيرا من الواقع المعقد الذي يعيشه , لا بالسلب ولا الإيجاب, فهو أشبه بمن يخوض معركة مع طواحين الهواء يحسبها من جنس الشياطين .

إن المتأمل في كثير من التفاعلات الاجتماعية والثقافية والسياسية في العالم العربي, يجد أنها لم تكن نتاج تراكم تاريخي متواصل و نابعه من شروط الاجتماع العربي التاريخية ,ولكنها بالعكس من ذلك هي نتاج شروط الآخرين وأفعالهم وإراداتهم وان ُسميت هذه التفاعلات مقاومة أو مواجهة أو ممانعة أو جهادا مقدسا . إن المجتمعات الحية والقوية هي التي تصنع خياراتها بذاتها ولا تقع فريسة للانفعالات التي تحول العناصر الهامشية والطرفية إلى عناصر وازنة في المعادلة الثقافية والاجتماعية والتنموية وحينها فلن تنشا ثقافة ولا اجتماع ولا تنمية حقيقية , بل ضجيج طواحين الهواء فقط .

 

 

 

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول