امة تطارد خيط دخان

عام أضف تعليق

شعوب الشرق تطارد الآمال كما تطارد خيط دخان, جيلا بعد جيل منذ عصر النهضة الأول في القرن التاسع عشر , وكل ما انقضى أمل رفعت النخب أملا جديدا ودخانا جديدا, وما أكثر الآمال التي تترجاها شعوب الشرق , حرية وحداثة ونهضة وتقدم وقوة ومشاركة حضارية وتحرير الأرض وتنوير العقل ..أمال كثيرة تزخر بها الذاكرة التاريخية للشعوب الشرقية . ترفع النخب عنوان أمل جديد لتعلق الناس به وترجيهم من وراء مطاردته خيرا عميما وعندما يكتشفون أنهم إنما كانوا يطاردون خيط دخان يستبدل الشعار بآخر ومستودع الآمال زاخر لا ينضب .

الآمال الكبرى التي ُرفعت خلال ما يزيد عن قرنين لم تكن في حقيقة مفعولها إلا شعارات أيديولوجية لحشد الناس خلف القائد الملهم والزعيم المخلص والحزب التقدمي والفئة المسيطرة ,لتبرير مشروعية التسلط النخبوي والاستئثار بالحكم والمال والجاه من قبل هذه الفئات . و إذا استيقظ الناس على أن أمالهم التي يطاردونها ويتحملون في سبيلها كل هذا العنت ليست إلا سرابا بقيعة ,أُبدعت لهم آمال جديدة وُدفعوا إلى الانتظار والترقب والمزيد من الصبر من اجل أمل لم تبزغ شمسه بعد.

في عصر النهضة صنعت النخبة السلطوية آمال النهضة لتحشد بذلك الشعب خلف مشروعها الجبري التسلطي , وتبرر لهم هذه الجبرية الحداثية برغبة الاندراج في الركب الحضاري السائر تحت قيادة المركز الغربي المهيمن . كانت الناس تشعر بالذل و الإهانة من التخلف الذي لحق بها وهو ذل عززه التواصل مع الغرب ودفع به إلى أن يكون محطة لتشكل عذابات نفسية ووجدانية تتراكم خلف سدود العقل الجمعي العربي لتنفجر في لحظة معينة ,مراجعات فكرية وعقلية ودينية عنيفة وعميقة وجذرية . ولكن تجلت الحقيقة عن سراب النهضة مع قدوم جحافل الاستعمار الغربي التي مزقت البلاد العربية , وكشفت عمق الأزمة في العلاقة بين مجتمع مشدود لأفق اللا معقول والخرافة والسلبية ونخبة مبتوتة الجذور منفصلة عن واقعها تحولت بعد ذلك من دور صناعة الوهم إلى جلاد للضحية بدلاً من أن تكون منقذا لها .

بعد هذه المرحلة جاءت المشاريع الثورية العربية , والحكومات العسكرية الانقلابية , ورفعت سقف الامال حتى لامست عنان الأفق العربي التليد وتجاوزته , الوحدة العربية والاستقلال العربي والأمة الواحدة من المحيط إلى المحيط , كانت شعارات تقتات عليها الشعوب في صبوحها وغبوقها كما وصف الشاعر

صبوحي إذا ما ذرت الشمس ذكركم ,,,,,,,

ولي ذكركم عند المساء غبوق

كل هذه الآمال تكسرت على بيداء الواقع المحرقة , وتصاعدت الأدخنة في كل الأماكن الموصوفة حلما واعدا وأملاً قادما ,وعمت حالة اليباس الفكري والحضاري وضربت أطنابها بعد هزيمة حزيران 1967م . تلك الهزيمة التي لازال العالم العربي يعيش ارتداداتها من تيبس الايديولوجيا القومية وتفككها , وسقوط أنظمة قومية رئيسية تحت حراب الاحتلال , وانكشاف المنظومة الشعاراتية التي تصبغ بها هذه الأنظمة حقيقتها الكامنة , حقيقة الاستئثار بالحكم والسلطة لصالح فئات وطبقات بعينها , في تجلي آخر لحقيقة الواقع العربي , وضياع لعقود من الآمال المطاردة , والأحلام التائهة خلف خيط دخان .

النخب التي تصنع الآمال والأحلام تدرك أنها إنما تصنع وهما , ولكن هذا الوهم له دور وظيفي مؤقت وهام , دوره حشد الناس وجمعهم وتبرير استئثار هذه النخبة بكل أدوات الفعل والتأثير , وفي هذه الحالة يغدو المقدم لدى هذه النخب هو شخصية المتنبي التبريرية المتغافلة عن كل نقد إلا ما يتعلق بمكاسبها الذاتية , لا شخصية ابن رشد الناقدة للأوضاع بعين بصيرة ومدركة.

اليوم ما أكثر الذين يرفعون آمالاً جديدة لشعوب العالم العربي , وكما قلنا فان مستودع الآمال لا ينضب في بلاد الشرق وهي التي تضم منبت الحضارات الأول , كما هي مهبط الأديان السماوية .وعلى قدر ما تتعاظم الأزمات تتولد معها آمال جديدة , ويتحول كل أمل إلى جسر إلى عقول الناس .وفي النهاية كما كل مرة ,يتكرر المشهد ,مشهد اللحظة الأخيرة , والجموع تتيه في البيداء تطارد خيط دخان.

2 عدد التعليقات على “امة تطارد خيط دخان”

  1. ثمر المرزوقي SAUDI ARABIA Windows XP Mozilla Firefox 3.0.1 يعلق:

    القدير: عبدالمجيد ،، تحية طيبة وصباحآ سعيد

    المُعضلة ليست بحد ذاتها في هذا الخيط الدُخاني بقدر ماهي بداخله من ثغرات مفتوحة المصدر، فقرائتك الجميله التي أسقطتها على العديد من الوقائع، تُذكرني ماحصل في المنطقة بعد سقوط -السيدة العجوز- كما كان يطلق من قِبل وزارة المستعمارات الأنجليزية على -الدولة العثمانية- في إستغلالها للأوضاع المأساوية وأحد خيوط الدُخان التي ذكرتها (الوحدة العربية) فدفنت بداخلها -لورنس العرب- الذي وصل أن قال في كِتابه: أحكمة الأعمدة السبعة، متمنيآ أن يبلغ جموع الأعراب بأن مايحصل ليس سوى حبرآ على ورق أملتهم بِها الحكومة الأنجليزية لتحقيق مأربها الشخصية التي تجلت في معاهدة -سايكس بيكو-، ولكن أضاف ماكان مدهشآ لي بحق، بأن المغامرة بالضمير وتأنيبه في بعض الأحوال لإيهام -الشريف- وأتباعه بالوعود الوهميه، أفضل من خسارة جندي إنجليزي واحد من أجل ذلك، وهي فعلآ حكمه سياسيه صرفه

    عزيزي ماتعيشه جموع العرب هي بسبب آمالها وأحلامها وخيوطها الدُخانية هذه، التي أصبحت بيئه خصبه جدآ للتفكير والعُمق السياسي الآخر في الإستفادة مِنها، فكُثر ماتعاني هي من المخزونات التي لاتنضب -كما تفضلت بِها- فإيضآ تقع دائمآ في مكر السياسيه التي توهمها بالتخلُص مِنها، وما الإنقلابات التي تحدث دليلآ واضحآ أن حدوثها لايمكن من -معاقون- دون دعائم خارجية، فنقطة التخلص مِنها لم تغفلها هاذي النُخب في سلبها حراكها الإجتماعي، فوق ماتستمر في صناعة خيوطها الدخانية

    المنطقة العربية عمومآ تحتاج كثيرآ لمُنظرين وقياد حراكي ليس للثورة بحد ذاتها، وإنما مابعد الثورة، ومقوماتها بالإستمداد الداخلي، وليس أن تكون الثورة عنفيه إيضآ، بقدر ماتكون صامته أو بقاعدة -مهاتما غانديه-، فأيضآ هذه الأخرى لم يفغلوا عنها النُخب آنفة الذكر في محاربتها وتهجيرها وإعتقالها، وطمس وتشويه مشاريعهم بحق مجتماعتهم، التي لايكون لها قائمه دون المُساندة -الكهنوتية- الفئه المسيطره على المُجتمعات بعقائدها السياسية -الإيدولوجية-، وماجعل الأمة تُطارد هذه الخيوط وتقع في حبائل السياسه إلا تلك الفئه المسيطرة التي تغيب المشهد الحقيقي للنهضة وحراكها الفعلي

    سيدي، أن التخلص مِن هذه المعموديات ذات الطراز الإسلامي، هو لأول نقطة مهمة في التوجة الصحيح، لطبيعة الأمة التي مازالت مرتهنه بحق الخِطاب القديم والعهد السالف الذي توقف على أدراج متطلبات -أمةً قد خلت-، التي تذكرني بالمقلاة الصغيرة وقطعة اللحم الكبيرة، وتواتر الأمهات في طبخ هذه القطعة طبقآ لأعراف أمهاتهن السابقات.

    كم كُنت رائعآ كما عهدتك دائمآ في مدونتك الراقية، فكرآ ومضمونآ

    لك تحياتي عزيزي الدائمة، فتواصلي بالقراءة لم يتوقف، ومازال

  2. عبد المجيد SAUDI ARABIA Windows Vista Mozilla Firefox 2.0.0.16 يعلق:

    ايها الثمر…
    شكرا لمروك النازف ……….

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول