باكستان بين الديني والسياسي

ممنوع من النشر أضف تعليق

 جاءت قرارت الرئيس الباكستاني مشرف بإعلان حالة الطوارئ , و إقالة قضاة المحكمة العليا , واعتقال الآلاف من أنصار المعارضة, لتعلن عن عمق الأزمة التي تعيشها باكستان منذ الحادي عشر من سبتمبر ويبدو أنها لن تخرج منها في وقت قريب . ولن يجدي مع هذه الأزمة , إعلانا لحالة طوارئ , أو اعتقالا لرموز المعارضة وناشطيها , أو إغلاقا لوسائل الإعلام والتضييق عليها

.الأزمة الباكستانية تعود في بعض من أصولها إلى نشوء باكستان الحديث , التي استقلت عن الهند لتكون وطنا خاصا بالمسلمين من سكان القارة الهندية , بعد أن تبين للقادة المسلمين في حزب المؤتمر  الهندي بزعامة غاندي , أن القيادات الهندوسية حريصة على أن يكون الموروث الهندوسي التاريخي هو الملهم للتجربة السياسية والحضارية الجديدة في الهند بعد الاستقلال , وهو ما لم يرق للقادة المسلمين الذين برغم كونهم  أصحاب توجهات علمانية , إلا أنهم قرروا تأسيس الرابطة الإسلامية لمسلمي الهند بقيادة محمد علي جناح  , ومن ثم قرروا الاستقلال بباكستان عن الهند لتكون بلدا خاصا بالمسلمين

.هذا النشوء الحديث الذي كان مزيجا من العلمانية التي تقوم في جوهرها على فصل الديني عن السياسي, كما يمثل ذلك قائد سياسي علماني كمحمد علي جناح  , والدين كعامل تكوين لهوية الأمة , جعل باكستان تقع دائما في اضطراب مستمر بين الدين الذي يمثل أصل وجودها و أساس تشكلها الحديث , وبين العلمانية التي وظفت الدين لتحقيق الاستقلال السياسي , وسيطرت على  أجهزة الحكم في باكستان منذ الاستقلال حتى اليوم . ففي فترات تاريخيه معينه يتمدد الديني على حساب السياسي , وفي لحظات تاريخيه يتغلب السياسي على الديني  ويسيطر عليه لتحقيق مصالح الدولة القومية  والحفاظ عليها وبرغم أن منظر الإسلام السياسي في العالم الإسلامي , أبو الأعلى المودودي  , هو مؤسس تيار الإسلام السياسي في باكستان , وزعيم الجماعة الإسلامية  فيها, إلا أن تأثير هذا الفكر الديني – السياسي ظل محدودا في باكستان ضمن دائرة من النخبة لا تأثير لها على المسار السياسي بشكل كلي . و الذي اخرج الديني من دور المكون المؤسس للهوية الوطنية فقط , إلى أن يكون لاعبا وصانعا رئيسيا  في الحياة السياسية الباكستانية , لم يكن تيارات الإسلام السياسي بالأصالة , بل هو القرار السياسي الذي قرر التصدي للشيوعية في أفغانستان , ومواجهة الاحتلال السوفيتي  هناك , وهو القرار الذي جاء متسقا مع الجهود الأمريكية  لمنع وصول الجيش الأحمر إلى المياه الدافئة في الخليج .

السياسي الباكستاني في تلك اللحظة قرر توسيع دور الدين في الحياة العامة لتحقيق الحشد والدعم الشعبي لمواجهة تداعيات هذه الحرب  ومتطلباتها . وقد ساهمت الحرب خلال عقد الثمانينات في استفزاز المكون الديني وتحويله إلى عامل ذي تأثير كبير على المجال السياسي ليس في باكستان وحدها , بل في كثير من الدول الإسلامية التي وقفت مع “الأفغان المجاهدين” ضد “الروس الملحدين”.

إن السياسي أراد في تلك الفترة أن يكون الدين لعبه بيده يوظفها في حروبه وصراعاته , ثم لا يلبث أن يعيدها إلى دورها السابق , ولكن هل الدين يقبل بهذا الدور؟ . هل يقبل الدين أن يكون لعبة إذا انتهى الغرض منها تحولت إلى مستودع الألعاب المنتهية صلاحيتها . الدين في هذا الجانب قريب الشبه بالحرية , إن لم  يكن صنوا لها .   فالدين والحرية لا يمكن أن يكونا لعبة بيد احد , إنهما قنبلتان لا يلبثا أن ينفجرا  بوجه من يتلاعب بهما . فكيف إذا تلاعب السياسي بهما معا , وفي آن واحد , لعبة الحرية ومعها لعبة الدين . انه بلا شك يعجل بلحظة الانفجار , ويراكم من قوته أيضا

.حاول شاه إيران أن  يجعل من الحرية لعبة  لتمرير الضغوط الأمريكية عليه بعد مجئ كارتر بأجندة لنشر الحرية في العالم , والدفاع عن حقوق الإنسان, فأنشأ  بعض الديكورات الديمقراطية والمحاسبية , وأودع بعض المقربين إليه السجون بتهم الفساد , وقدم ذلك إلى الغرب كدليل على خطوات الإصلاح والانفتاح , بينما اضمر كما صرح بذلك بعض المقربين إليه , أن ينحني للعاصفة  حتى يأتي رئيس أمريكي جديد لا يحمل ضمن أجندته في السياسة الخارجية أي اهتمام لقضايا الحريات وحقوق الإنسان   .هكذا ظن الأمر , وبرغم ذكاء الشاه المعروف , إلا أنه لم يدرك أن عجلة الحرية إذا تحركت ولو بفعل فاعل , ولو كان هذا الفاعل هو الشاه الحاكم المطلق ,  لا يمكن لها أن تتوقف حتى تبلغ مداها الأقصى  , وكانت النتيجة أن انقلبت اللعبة على صانعها وانفجرت في وجهه , وكذلك الحال مع الدين حين يريده السياسي لعبة يحقق بها أغراضه ثم يعيدها إلى موضعها السابق .النظام العلماني اليوم في باكستان يدفع ثمن استخدام الدين كلعبه, استخدمه في تجييش الشعب مع الجهاد الأفغاني , واستخدمه في تأسيس طالبان ودعمها للقضاء على المجاهدين القدامى , ولكن اللعبة تحولت مع الحادي عشر من سبتمبر إلى قنبلة  انشطارية , تنفجر وتنشطر مرة بعد أخرى , فهل يا ترى يكون مصير إمبراطورية غورش الشاهنشية , هو النموذج الذي تلحق به إمبراطورية العسكر في باكستان ؟ وهل العالم مستعد لمثل هذا الاحتمال؟

       
 

     

تعليق واحد على “باكستان بين الديني والسياسي”

  1. محمد الشهري SAUDI ARABIA Windows Vista Safari 523.12.9 يعلق:

    الشيء المستغرب فعلاً هو ان الهند على تعددها الديني والاديني والثقافي أكثر استقراراً من باكستان الاقل تباين ديني وثقافي !

    قد تكون المسألة عن دخول الدين كلعبة في العمليةالسياسية غير واضح بحكم ان كلا الفريقين استخدم الدين كشعار له ، وبالتالي اختلط السياسي بالديني لدى الفريقين ، من استغل الدين بشكل أكبر السياسيون العلمانيون أم نظرائهم الإسلاميون !؟ ،

    أعتقد أن العقلية السياسية الاسلامية لم تنضج بعد للاسف . بمعنى ان تجارب الاسلاميين السياسيين تكاد تكون معدومة ، (فالمعامل ) السياسية أن صح التعبير غير متوفرة لهم وبالتالي يفقدون ميزة التطبيق على ارض الواقع ! ( لا يوجد اسلاميون يحكمون ) ومن هنا يتم استغلال اطروحاتهم من قبل الاخرين لتنفيذ اجندات معينه مستغلين عدم وجودهم بشكل مادي وفعال في الساحات السياسية .

    تدوينتك ثرية وتحمل الكثير اخ عبدالمجيد … اهنئك على تواجدك في عالم التدوين الحر عزيزي

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول