من القبيلة إلى الدولة

ممنوع من النشر أضف تعليق

 

 

بين القبيلة والدولة تشابه في جوانب عديدة , كما بينهما فروق تجعل من الالتقاء أمرا بعيد المنال, بل إن وجود احدهما وحضوره الفاعل في بعض المجالات يعد تهميشا و إضعافا للآخر .

تتشابه الدولة والقبيلة من حيث السلطة المعنوية على الأفراد , ومن حيث وجود ولاء تضامني بين أفراد كلا المكونين تترتب عليه انحيازات وخيارات سياسية معينة. كما تتشابه الدولة والقبيلة في بسطهما نفوذهما على حيز جغرافي محدد , يمثل بالنسبة للدولة الإقليم الجغرافي الذي يقوم عليه الوطن , و بالنسبة للقبيلة, الحمى الذي يحيط الهوية الخاصة ,المنكفئة على ذاتها ,والمفارقة بها غيرها من القبائل. في كلا النظامين توجد مرجعية لتنظيم السلطة والقضاء, في الدولة يمثل هذه المرجعية الدستور كمنظم للعلاقات الداخلية, والقانون كمرجعية للقضاء والأحكام بين الناس , أما في القبيلة فيحل العرف بديلا عن الدستور والقانون معا. وهو عرف فضفاض خاضع في تجلياته الواقعية لرؤية الزعيم وثاقب نظره.

هذه بعض نقاط التشابه , أما نقاط الافتراق بين الدولة والقبيلة فمتعددة وربما كانت نقاط الاتفاق هي ذاتها نقاط اختلاف وتضاد عند تطبيقها بشكل متزامن في المنظومتين , فالدولة لا تقبل سلطة معنوية تعلو على سلطتها وتنافسها والقبيلة قد تفعل ذلك , كما أن الدولة لا تقبل تعدد الولاءات في الخيارات الوطنية , والأرض في الدولة هي ملك للشعب لا لقبيلة اذ الدولة ينطبق عليها القول أنها تجب ما دونها وما قبلها.

أما في تكوين السلطة نجد أن القبيلة ,وهي المكون الذي يراه البعض من موروث ما قبل الحداثة ومن فضلاتها , تلتزم في تعيين الزعيم رضا أغلبية القبيلة عنه, فالزعيم القبلي ينتخب طبيعيا وإذا ما مارس شيئا من الانفراد والاستبداد , أو فشل في أداء الوظيفة المطلوبة منه , وهي حماية القبيلة وتامين كسبها , فان القبيلة تتولى عنه وتبحث عن زعيم غيره , والحديث هنا , عن القبيلة بحسب وجودها الأولي في أزمنة الفوضى و البعيدة عن تدخل الدولة الحديثة وتقنينها. هذا وضع السلطة في القبيلة ,أما في الدولة فان السلطة قد تأتي باختيار من شعبها أو بغير ذلك ,وهي مفارقة جديرة بالتأمل.

وما نشهده في العالم العربي والخليجي على وجه الخصوص من عودة قوية لحضور القبيلة , سواء أكان حضورا اجتماعيا فاعلا عبر مناسبات تنظمها القبيلة لأبنائها , أو حضورا ثقافيا باستدعاء التاريخ الخاص بكل قبيلة وإحياء الذاكرة القبلية بالقصائد والأشعار والقصص والاهتمام بالأنساب وتداخلاتها , أو كان حضورا سياسيا نراه واضحا في الدول التي تشهد نوعا من الحرية السياسية يسمح لمثل هذه الروح القبلية بالظهور . كل ذلك يجعل من النقاش حول التكوين القبلي وانعكاساته على المجتمعات الخليجية أمرا ذي أهمية كبيرة.

القبيلة في المجتمعات العربية لعبت دورا كبيرا عبر فترات تاريخية طويلة . خصوصا وان الدولة بمفهومها الحديث كانت غائبة عن المنطقة العربية لقرون طويلة . فحتى نموذج الدولة الإسلامية في عهدها الأموي والعباسي لم يكن بديلا كاملا عن القبيلة , بل ظلت القبيلة العربية محافظه على مساحات نفوذ لا يستهان بها , مساحات نفوذ ربما تأثرت بها بعض الرؤى الفقهية التي قننت لحكم العشيرة والقبيلة , عبر تمسكها بتفسير محدد لأحاديث أخبرت عن أن الأئمة من قريش , وهو تفسير لا يخفى تأسيسه لحالة عشائرية قبلية في ممارسة الحكم الإسلامي , ستنعكس حتما على بنية المجتمع العربي وهو ما أعطى البعد القبلي دورا بارزا في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي. كما تأثرت بها كذلك الرؤى الفقهية حول كفاءة النسب , والتي دفعت إلى تصنيفات للكفاءة مختلفة ومتعددة, بين العربي وغير العربي , والقرشي وغير القرشي , إلى آخر التفصيل الفقهي المعروف , . بل إن القبيلة إذا كانت ذات نسب موحد (أي عصبة)تصبح عاملا حاضرا في عقود النكاح , للقيام مقام الولي الأقرب إذا تعذر هذا, لبعد البلد أو لانتزاع ولايته لسبب ما . وفي هذا السياق يقول صاحب متن الرسالة الفقيه المالكي أبي زيد القيرواني " ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها ,أو ذي الرأي من أهلها , كالرجل من عشيرتها أو السلطان" , ويلاحظ هنا أن القبيلة والعصبة تقوم مقام السلطان بديلا للولي القريب من أب أو أخ . وقد تفاعل الأدب العربي في عصره الأموي على وجه الخصوص مع هذه البنية العشائرية عبر العديد من المفاضلات بين القبائل والمحاورات الشعرية التي ساهمت في تأصيل الثقافة العشائرية وقيمها . كل هذه العوامل جعلت من القبيلة والعشيرة مكونا من الصعب , إن لم يكن من المستحيل تجاهله في تكوين المجتمع العربي , وقد حاولت بعض الأحزاب , قومية أو يسارية , القفز على هذا الواقع الغائر في جدار الزمن العربي , ولكنها لم تفلح , وقد ذهبت في سبيل تجاوزها لدور المكون العشائري إلى إلغاء الانتساب إلى العشيرة والقبيلة في الهويات الشخصية لمواطنيها , وهي معالجة سطحية ظاهرية , إذ ظلت القبيلة وقيمها هي المسيطرة حتى على المشهد السياسي الذي تدعي هذه الأحزاب أنها قامت بتحديثه و ماسسته بالكامل , إذ شهدنا في بعض الدول التي حكمتها هذه الأحزاب , أن من يدعي إطلاقه لمشروع الحداثة السياسية , يشرع لتوريث الحكم في الأنظمة الجمهورية العربية فيما اعتبر دليلا واضحا لغلبة النسق العشائري على نسق الدولة الحديثة .

 

القبيلة والعشيرة كما هو الدين في العالم العربي , لا يمكن الحديث عن مشاريع للنهضة والتنمية والتحديث , بتجاهلهما أو القضاء عليهما , فهما حقيقتان قارتان لا يمكن بحال من الأحوال إخفاءهما , وأي محاولة من هذا النوع هي حراثة في البحر كما يقال. ولكن كما ان ترك الدين لسيطرة تفسير تقليدي لا يواكب روح العصر وواقع الحياة البشرية بتقديمه استجابات فقهية لوقائع مستجدة , يعني تحويل الدين إلى عائق من عوائق النهوض الحضاري الشامل . فكذلك الأمر مع القبيلة فهي حالة اجتماعية ضاربة الجذور في بنية المجتمع ولا يمكن تجاهلها أو تهميشها والحل الصحيح حتى لا تتحول إلى عائق مدمر لتماسك المجتمعات التي تتكون منها , هو في تقديم استجابات حديثة تحافظ على البنية الأساسية للمكون القبلي ولكن بما يجعلها عامل بناء وتوحيد وتلاقي ونهوض ثقافي وحضاري . ومما قد يسهم في توليد هذه الاستجابات , الدفع بشكل واعي باتجاه تنمية الحياة المدنية بشروطها الحديثة , وفتح الآفاق أمام تشكل مجتمعات مدنية تحتوي القبيلة بوسائط مرنة وقادرة على اختراق العصبية القبلية وتطويعها.

تعليق واحد على “من القبيلة إلى الدولة”

  1. bl SAUDI ARABIA Windows XP Internet Explorer 6.0 يعلق:

    لنعد قليلا الى الوراء الى زمن الأجداد و ما تعني لهم القبيلة و لما عاشوا كــ قبيلة

    المناطق الصحراوية و مناطق الغابات و مناطق الجبال هي اصعب مناطق العيش والعادة ان جميع هذه المناطق تصبح قبائل و السبب ان منظومة القبيلة هي اكثر المنظومات تماسكا و صلابه أمام الظروف
    فأجدادنا لم يجدوا سبيلا من غير منظومة القبيلة لكي يستطيعوا العيش
    فــ إديولوجية القبيلة تعتمد على الوسم و التحالفات وليس النسب في أساسها كما يظن الكثير  و لو تلاحظ ان اغلب القبائل الآن هي أحلاف و نستثني منها القبائل التي لم تترك مكانها و أرضها 

    لذلك فالقبيلة هي الرباط القوي و الذي لا يتزعزع في أحلك الظروف لانها منظومة إجتماعية لا تعتمد على النسب فقط بل على مواصفات إجتماعية خاصة منها الوسم و التحالفات و يتم الإلتزام بها أجبارا ومن لا ليتزم بها يصبح خارجا عن منظومة القبيلة و يطرد و ينبذ

    و الآن بحمد الله نعيش بنعمة ورفاهية و رغد العيش لكننا ما زلنا في بيئة صحراوية الاساس فيها نظام القبيلة و نعمة البترول أوجدت لنا مدن و مناطق لا تعتمد على الصحراء فأصبحنا نعيش بين البين
    اصبحنا نعيش بين الثقة بصلابة القبيلة و الإصرار على المحافظة على ثوابتها و بين اغراءات الحياة المدنية المتحرره من قيود البداوه القبلية مع مراعات ان منظومة القبلية ليس ضد الثقافة فما قصدته في توضيح الفرق هو إسلوب العيش فقط وهذه نقطة مهم يجب أن ننتبه لها

أضف تعليق.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول