تابع العالم افتتاح اولمبياد بكين مذهولا من هذا الإبداع الصيني اللا متناهي وقد كان هذا الافتتاح التاريخي مناسبة أطلت من خلالها الصين بحضارتها وتاريخها وثقافتها وهويتها على العالم كله وأمام بلايين المشاهدين في كل زاوية وركن من العالم .وفي ظروف تاريخية معقدة وأزمات متصاعدة في الواقع المعاصر تسببت بها سياسات الاستكبار والغرور والصلف الغربي تجاه شعوب الكرة الأرضية جاءت الصين لتذكر العالم بحكمتها العتيقة , وتاريخها العريق , وثقافة السلام التي يعتقد أهل الصين أنهم هم صناعها ورواد العالم فيها . لم تستعرض الصين سلاحها النووي ولا صواريخها العابرة للقارات ولا أساطيلها البحرية الضاربة وهي التي تملك منها الشئ الكثير ولكنها أرادت أن تقدم للعالم رسالتها الحضارية التي تعبر عن تاريخها وعراقتها مستغلة الاولمبياد كشاشة دعائية لتحقيق ذلك في ظل تحولات مرتقبة يمر بها العالم المعاصر وموازين القوى الحاكمة عليه .
الثقافة الصينية القائمة على التسامح وقبول الآخر أيا يكن دينه أو انتمائه , متوافقة تماما مع أهداف الاولمبياد , وهي مد الجسور والتسامح بين شعوب الأرض , لقد نادى كوبرتان باعث الاولمبياد من جديد في القرن التاسع عشر بان يكون الاولمبياد فرصة للتواصل بين أجزاء العالم المختلفة والتعارف بين شعوبها وثقافتها المتعددة وهو الذي قال عبارته التي تحولت إلى أشبه بدستور " إن أهم شئ في الألعاب الاولمبية ليس الانتصار بل مجرد الاشتراك واهم ما في الحياة ليس الفوز وإنما النضال بشرف ". والثقافة الصينية محملة بتراث عريق في التسامج بين الثقافات والمذاهب المتعددة .
الصين لم تعرف في تاريخها اضطهادا لأصحاب دين أو ملة من الملل إلا أن يكون هذا الاضطهاد بسبب سياسي لا من اجل الدين او المذهب أو الاعتقاد الخاص . ومن اكبر الدلائل على هذه الروح التسامحيه تجاه الأديان والعقائد الأخرى لدى الصينين , هو أن زعيمهم المعاصر ومن يلقبونه بنبي الصين الحديثة "سن ياتسن" كان مسيحيا , وان تلميذه " شان كاي شيك "الذي جاء بعد ياتسن في زعامة الأمة الصينية , كان مسيحيا أيضا .فلم تكن ديانتهما عائقا امامهما , بينما نجد بلادا كثيرة ممن تعتبر نفسها طليعة حضارية للعالم كله لازالت الشكوك تحوم حول قدرة غير المنتمي الأصيل لدين الغالبية فيها للوصول إلى كرسي الحكم , فكيف بمن لا ينتمي أصلا إلى دين الغالبية هناك . فالدين عند الصينيين هو آداب سلوكية قوامها توقير أرواح الأسلاف وعدم تحقيرهم أو التفريط بالولاء لهم , ولكل إنسان أن يوقر أسلافه ولهذا ففي تاريخ الصين كان لكل بيت معبد خاص ولكل قبيلة هيكلها الخاص بدون أن يؤثر ذلك على الآخرين او يتسبب لهم بضرر. و يروي ابن بطوطة في رحلته عن كاهن من كهانهم" يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لو كنت معه لنصرته , ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب أحسن الذكر" .
هذا التقديس للأسلاف ولروحهم والتأدب معهم , لم يكن مانعا أو حاجبا للصينيين من هدم القديم أو تغييره , فالصينيون يرون أن العصر الذهبي كان عصر الآباء الأولين الذين أشادوا حضارة سادها العدل والحق وأشاعت الخير والاستقامة في الوجود وهو ما يسمونه بعهد الناموس الأعظم .هذه الصورة الذهبية الأسطورية هي التي تحث الصينيين على استبدال القديم الذي بين أيديهم إذا كان هذا القديم مانعا عن بلوغ صورة المثال , صورة العدل والحق والعمل الجاد المثمر والقضاء على اللصوصية والاحتيال والغش وتكديس الأموال والاستئثار بها . هذه الصورة الأسطورية المقدسة للأسلاف هي الروح التي تبعث فيهم الرغبة في تجاوز التقاليد التي ترسخ ما يضادها .
هذه الصين التي أبهرت العالم بعظمة افتتاح الاولمبياد يبدو أن ساعة إبهار العالم بثقافتها قد حانت.
أحدث التعليقات