بولتون يستذكر “الامو”

عام تعليق واحد

 

جون بولتون كتب مقالا يوم الأربعاء الماضي في صحيفة “ليبرال” الايطالية ناقش فيه الفكرة القائلة بتراجع الدور الأمريكي وفقدان الولايات المتحدة الأمريكية لسيطرتها على العالم .بولتون اعتبر هذا الفكرة وهما لا مصداق لها من التاريخ .والولايات المتحدة موعودة بهذا النوع من الأفكار الانحدارية المتشائمة منذ نشأتها وتوحدها , فحين دخلت هذه الدولة الفتية في حرب أهلية لم تكن كغيرها من الدول التي تضعفها هذه الحروب ,بل إنها خرجت من الحرب لتبدأ الثورة الصناعية وتعمق مفاهيم الحرية وتؤسس أمريكا الدولة التي تطلب الدول الأوربية تدخلها.ولم يقف الأمر بهؤلاء المهووسون بالتراجع الأمريكي عند ذلك ,بل انهم عادو ليكرروا هذه الأفكار عام 1945 م , بعد الحرب العالمية الثانية . حينها كان السبب عند هؤلاء ليس الضعف الأمريكي ولكن القوة التي بلغتها حيث لم يبقى أمامها وقد وصلت إلى القمة إلا النزول فلا مزيد من القوة يمكن أن تحصل عليه . ولكن الذي حدث خلاف هذا فبرغم انخراط أمريكا في مشروع مارشال لاعمار أوروبا إلا أن أمريكا حافظت على مكانتها العالمية الريادية , ومع تزايد حدة الحرب الباردة بين القطبين السوفييتي والأمريكي تنبأ آخرون بان أمريكا لن تنتصر وان أوروبا سوف تقع في قبضة الشيوعية وفي أحسن الأحوال فان الرأسمالية الأمريكية سوف تتوافق عند نقطة معينه مع الشيوعية ويتقاسمان النفوذ في العالم إلا أن أمريكا انتصرت وانتصر معها العالم الأول وكسب المعركة . وبعد ذلك واصل هؤلاء المتنبؤن توقعاتهم وكانت رهاناتهم هذه المرة على اليابان فتحدثوا عن التفوق الياباني ولكن مالبثت التسعينات الميلادية أن حملت معها خبر انفجار الفقاعة اليابانية بحسب ما يقول بولتون .

و يراهن هؤلاء اليوم على أن أمريكا سوف تتراجع أمام كل من الصين والهند. بولتون لا يرى أن هذه المرة مختلفة عن سابقاتها فلا تهديد لأمريكا من هذه الدول .

التهديد الذي يراه بولتون لأمريكا قد يأتي من التفكير الأوروبي الذي يدعو إلى العقل والحكمة في معالجة الأزمات الدولية ,ويعتبر أن أمريكا سوف تقترب فعلا من حافة الانحدار إن هي أصبحت أوروبية التفكير وغلبت ما يسميه الأوربيون حكمه وتعقلا,على ما يجب اتخاذه لحماية المصالح الأمريكية. فإذا ما كان هناك خطر محتمل على الأمن القومي الأمريكي فان الواجب على أمريكا إزالته قبل أن يتحول إلى خطر حقيقي , أي انه يردد نظرية الحرب الاستباقية التي اتبعها الرئيس بوش في العراق وجعلها احد أهم معالم السياسة الأمريكية .والخطر الآخر الذي يتهدد الهيمنة الأمريكية هو إتباع سياسات في معالجة التغيير المناخي تمس بالحريات , وهو خطر يراه بولتون محدق بالولايات المتحدة .,كما أن الادعاء بان التاريخ قد انتهى وبالتالي فانه لا حاجة تدعو للاهتمام المتزايد بالتفوق العسكري المطلق لأمريكا.خطر ثالث جاثم, هذه هي الأخطار الثلاثة التي قد تتسبب في تراجع المكانة الأمريكية في العالم عند بولتون.

لا ينسى بولتون في هذه المرافعة العقائدية, أن يستذكر لحظات تاريخية أمريكية تعزز مقولته التي يدعو إليها . هذه اللحظة كانت معركة ثكنة الامو في ولاية تكساس ,وهي المعركة التي حاصر فيها القائد المكسيكي سانتانا قوة أمريكية متحصنة في ثكنة الامو لا يزيد عددها عن 250 مقاتل , قاتلوا بالخناجر والسكاكين حتى ماتوا جميعا, هذه القصة حفزت جنود القائد هيوستون ان يتصدو لسانتانا وجيشه وهم يصيحون “تذكروا الامو ” فأبادوا جيش سانتانا واجبروه على توقيع وثيقة استقلال تكساس ,ويعلق بولتون على ذلك بأن الحكمة كانت كفيلة بمنع المقتلة الرهيبة للأمريكيين لو أنهم استسلموا ولم يقاتلوا في الامو ,ولكن هذه الحكمة كانت سوف تفقد أمريكا تكساس وولايات أخرى معها .

بولتون يجمع كل حججه هنا ليبرر حربا جديدة ربما يريدها على إيران , وربما أن احمدي نجاد يبتسم وهو يقرا كلام بولتون ليسأله ,سعادة السفير السابق , هل تعرف من ستكون الامو ومن سيكون هيوستن ومن سيكون سانتانا؟

انه خداع التاريخ .

شفيق الحوت قبل خمسون سنة وستة ايام

عام لا تعليقات

من الشخصيات التي اتوقف عند حديثها يوم ان تستضيفه قناة عربية واشعر بمبدئية عالية تتحكم بسلوك الرجل وتدفعه إلى اتخاذ مواقف يراها البعض يمينية متشددة ويراها هو ما يمليه عليه الضمير والمبدأ والإيمان بالقضية …

كنت ابحث في صفحات النت اليوم فوجدت هذا المقال لشفيق الحوت في موقعه الذي احتفظ فيه بالكثير من مقالاته , لفت انتباهي تاريخ المقال فهو في 18/7/1958 أي قبل خمسون سنة وستة ايام فقط …….

خمسون سنة ………مرت

تغيرت فيها ملامح شفيق الحوت وغدى شيخا يقترب من محطة الحياة الاخيرة……..

تغيرت ملامح شفيق وغدى ذاك الشاب الذي يهز المنابر بخطبه وصوته الجهوري العنيف ..يعجز عن اخراج بعض الكلمات……

تغيرت ملامح شفيق وغزت التجاعيد وجهه الجميل وكأن الحزن العربي أبى إلا أن يسكن فيه حتى يرحل احدهما ..اما ان يرحل الحزن من عالم العرب ……او يرحل شفيق من عالم الحزن ووجود العرب..

قرات المقال …حاولت ان اجد أثاراً لحركة التاريخ ……..في هذه الجملة وتحت هذه العبارة ..ربما يكون التاريخ قد تحرك او اهتز له جدار ..

.ولكن كل شئ ثابت وراسخ ومشدود إلى لحظة سكونية مخيفة…….وساعة الحائظ قد كسر التاريخ بندولها وتوقفت …

لاجديد……..في مقال شفيق الحوت……..

 

غبي وجاهل او مجرم متجاهل هو ذلك الذي يعتقد بأن قوات اميركا الباغية الطاغية قد جاءت للحفاظ على كيان لبنان، او على حكومة لبنان، او حتى على رئيس جمهورية لبنان!

إن قوات الأسطول السادس المجرمة، قوات الصهيونية والاستعمار الباغية، قوات الظلم والظلام، هذه القوات الباغية لم تأت تلبية لنداء شمعون او شارك مالك، بالرغم من أنهما قد قدما اليها الطلب والرجاء للمجيء.

هذه القوات، ما كنا لنراها، على شواطئ لبنان لولا وثبة العراق الجبارة التي أطاحت بحلف بغداد، آخر معقل للاستعمار الغربي في الشرق الأوسط.

وما كنا لنراها، على شواطئ أرض الوطن، لولا انطلاقة التحرر الصاعقة التي تجتاح الشرق العربي من المحيط الى الخليج.

وما كنا لنراها، لولا هذه الانتفاضات الجبارة التي بدأت تزلزل العروش الهاوية والكراسي المخلعة التي يتمسك بها حفنة من العملاء والمأجورين.

وجاءت اميركا.. وجاءت قواتها المجرمة، لا حباً بأصحاب الجلالات والكراسي من العملاء، وإنما جاءت لتؤمن مصالح شركائها الاستثمارية التي اعتادت مص دماء أبناء العرب لتزود به آلة الصناعة في بلادها وبلاد حليفاتها.

بترول العرب، لا الرعايا الأميركيون، هو سبب حملة الظلم الطاغية التي عسكرت فوق شواطئ أرض العرب الملتهبة.

إن الأسطول السادس، بالرغم من الأكاذيب والادعاءات والتصريحات التي نشرت لتبرر قدومه وحملته العدوانية لا يريد حماية رئيس او حكومة لبنان بقدر ما يريد تهديد القومية العربية الممثلة بالجمهورية العربية والجمهورية العراقية الفتية.

إن عمليات الأسطول السادس، تهدف الى اكثر من إخضاع وثبة الشعب في لبنان، إنها تهدف الى تجميد الحركة الوطنية العارمة وإخضاعها في الفلك الغربي فتؤمن نفوذها ومصالحها وبترولنا!

ولكن خسئتم أيها البرابرة وخاب فألكم. . إنكم باعتدائكم الأثيم هذا إنما حكمتم على أنفسكم بالموت والفناء والدمار. إن اعتداءكم الإجرامي هو النفير العام الذي ستلبي نداءه جميع قوى الأرض المحبة للحرية والسلام.

هذه هي نهاية مطافكم، وعلى شواطئنا التي حفرتهم فيها الخنادق ستقوم معركة الخلاص الكبرى لتصفية قوى الشر الباغية الطاغية وللقضاء على الاستعمار وعملاء الاستعمار.

كلمة.. قلناها لحلفائكم في الماضي القريب، ونقولها اليوم لكم..

لن تمروا.. ولن تستقروا..

سنلهب الأرض تحت أقدامكم وسنجعل خنادقكم قبوراً لأمانيكم التي ستبوء بالفشل والخذلان.

كلمة أخرى.. لم نقلها لحلفائكم بالأمس.. ونقولها لكم اليوم.. وما أبعد اليوم عن الأمس..

اعتدوا.. واضربوا.. وأريقوا الدماء.. لا ترحموا.. ولا تشفقوا.. لأننا لن نرحمكم ولن نشفق عليكم.. لكم فوق أرض العروبة لقاء طالما انتظرناه، ولكم على أرض شواطئنا درس لم تنسوه، درس سيذكركم بأبطال كوريا ومغاوير الصين!

إن الشعب العربي في لبنان قد عقد العزم، ولن تثنيه قوة في العالم عن عزمه، لقد عزم على خوض معركة الحرية حتى الموت او النصر.. ولن يكون الموت الا لكم أيها المستعمرون..

اما نحن وجميع شعوب الأرض فلنا النصر والبقاء والمجد.

اضربوا.. وأريقوا الدماء.. ولكننا نهمس في آذانكم الصماء، أن اذكروا وطنكم.. واذكروا مدنكم.. واذكروا أطفالكم ونساءكم.. إن مصير هؤلاء لن يكون الا الدمار والموت والفناء..

نحن إن متنا، فلنا شرف الاستشهاد في سبيل قضية حق وحرية.. اما أنتم.. فسوف تلقون مصير كل معتد أثيم.. مصير كل من طغى وتجبر.. مصير المستعمرين

 

رؤية ملك ومستقبل وطن

عام 3 عدد التعليقات

جاء مؤتمر الحوار العالمي الذي عقد في مدريد بدعوة من خادم الحرمين الشريفين استجاب لها العديد من القيادات والأطر الدينية المختلفة في العالم في سياق متواصل من مشاريع أطلقها الملك السعودي تؤسس لرؤية واحدة وتصور منسجم لمستقبل واعد يروم هذا الملك تحقيقه بكل عزيمة واقتدار.

هذه الرؤية لم تكتب في كتاب حتى يتمكن المرء من استحضارها بشكل سريع ,ولكنها رؤية يستطيع المرء أن يستقرئها من خلال الواقع المتحرك الذي ترسمه خطوات عملية ومشاريع تقوم على الميدان وتبصرها العيون .

كانت المرحلة الأولى من هذه الرؤية إطلاق الحوار الوطني في الداخل وهو الحوار الذي كسر الحواجز الاجتماعية والثقافية بين أفكار وأراء مختلفة داخل الوطن وانتقلت معه العلاقة بين هذه الأطر الثقافية المختلفة إلى علاقة حوارية معلنه تجاوزت الهيكلية البيروقراطية لمؤسسة الحوار الوطني إلى أن تكون حالة إعلامية و مجتمعية ايجابية تراجعت فيها لغة الإقصاء المتبادل بين التوجهات الثقافية والفكرية إلى مستويات دنيا مشهودة.

وفي الجانب الاقتصادي والتنموي أطلقت مشاريع المدن الاقتصادية وهي المدن التي إذا كتب لها النجاح كما خطط لها ستساهم في إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل القومي حتى لا يظل الاقتصاد أسيرا لتبدلات سوق النفط العالمية وتقلباتها .

وفي الجانب التعليمي جاء مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام والذي رصدت له تسعة مليارات ريال ليشكل مبادرة إستراتيجية لإعادة تأهيل التعليم العام بما يناسب مرحلة الانفتاح الاقتصادي والحضاري على العالم ويما يناسب التحولات الحضارية التي يمر بها العالم اليوم تحت تأثير العولمة الجارف . مما يحتم أن يكون المسار التعليمي مسار منتجا لكفاءات قادرة على التعاطي مع هذه التحولات بشكل ايجابي وفاعل ومثمر.

والى جانب إصلاح التعليم العام أطلق مشروع أفاق لتطوير التعليم العالي وبالتوازي معه أطلق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث , وهو المشروع الذي من المنتظر أن يساعد في تكوين نخبة جديدة لها القدرة على المساهمة في تحقيق رؤية الملك التنموية بانفتاحها الثقافي وتكوينها العلمي والمهني المتميز.

وفي مجال القضاء والذي يعتبر التقدم فيه احد أهم المعايير في جلب الاستثمار الأجنبي ودعم مسيرة الاقتصاد الوطني , أطلق الملك مشروعه لتطوير القضاء وإعادة هيكلة المؤسسة القضائية بما يعزز من استقلال القضاء وقدرته على حسن الأداء والاستجابة للمتغيرات المعاصرة والتكيف معها .

ويأتي في هذا السياق ولكن على المستوى العالمي مبادرات أخرى تكمل هذه الصورة وترسم حدود الرؤية التي يرعاها الملك عبدالله ومن هذه المبادرات والمشاريع مؤتمر الحوار العالمي الذي افتتح الملك جلساته في مدريد الأربعاء الماضي وحدد في خطابه أمام المؤتمر مهام هذا المؤتمر وأهدافه وذلك في قوله” أن يكون الحوار مناصرة للإيمان في وجه الإلحاد والفضيلة في مواجهة الرذيلة، والعدالة في مواجهة الظلم، والسلام في مواجهة الصراعات، والحروب والأخوة البشرية في مواجهة العنصرية.”

إذن هو دور ريادي تسعى إلى القيام به المملكة في السياسة الدولية يقوم على هذه الأسس , أسس الإيمان والفضيلة والعدالة والسلام والأخوة البشرية , وهو دور يعاني اليوم من غياب القادرين على القيام به لتزايد حدة الصراعات الدولية وسطوة التطرف السياسي وتوظيف هذا التطرف للدين في حروبه ومشاريعه . والمملكة لكونها بلد الحرمين ومنبع الرسالة الإسلامية مؤهلة للقيام بهذا الدور في السياسة الدولية.

إذن هي أجزاء متناثرة عندما يجمعها المراقب يكتشف الصورة الكلية التي تجمع كل هذه المشاريع إنها رؤية ملك لمستقبل وطن. هذه الرؤية تؤسس لانطلاقة جديدة لهذه البلاد في ظل أوضاع دولية معقدة وإقليمية مضطربة ولكن إرادة الرجال تصنع الأمل وتبني المستقبل.

 

الخطاب القاعدي

عام لا تعليقات

الذي يتأمل الخطاب القاعدي يلحظ أفكارا مركزية تمثل جوهر الخطاب, وتؤسس لبنية عميقة تتجاوز القشور البلاغية التي يغلف بها هذا التيار بياناته وأدبياته , هذه الأفكار المركزية تؤسس البنية التحتية التي ينهض عليها البناء الفوقي للتيار وبدون هذه البنية التحتية العميقة فان بقاء واستمرار التيار القاعدي تغدو أمرا بالغ الصعوبة, أما تجاهل هذه البنية التحتية وخوض المعركة مع البناء الفوقي فقط فلن يقود إلى نتائج حاسمه ونهائية.

من هذه الأفكار المركزية في الخطاب القاعدي تأتي المواجهة مع الغرب كمقدمة حتمية لابد من خوضها من اجل إضعاف الغرب ودفعه عن مراكز القوة العالمية التي يحتلها , وهذا الضعف الغربي هو الذي سيمكن العالم الإسلامي من استعادة القوة والمكانة التي يحلم بها الكثيرون من أبنائه .أي أن هناك علاقة عكسية وتضادية في هذا الخطاب بين الغرب والعالم الإسلامي فلا يمكن أن تجتمع القوة والحضارة لهما في الوقت عينه ,بل لابد أن يحل احدهما مكان الآخر فلا مجال لأي حوار أو لقاء أو تعاون إذ تتحول كل أشكال الحوار والتعاون إلى نوع من أنوع الشرك وذريعة إلى الردة عن الدين إن لم تكن هي الردة بعينها.

الخطاب القاعدي ينطلق من هدف رئيسي يسعى إلى تحقيقه وقد تم اختزال مشاكل العالم الإسلامي التي طوتها قرون عديدة دون أن تجد من يحاول اقتلاعها , هذه المشاكل تم اختزالها بمظهر سياسي هو سقوط الخلافة عام 1924م وبالتالي فان استعادة هذه الخلافة سيكون الحل الناجع لمشاكلنا ,وهذه الفكرة التي يستبطنها الخطاب القاعدي بشكل جذري تقوم على افتراضات خاطئة أو متوهمة , فهل كان العالم الإسلامي معافى من الأزمات والأمراض قبل الإعلان الشكلي عن إلغاء خلافة هي شكلية بدورها .و لماذا لا يفترض هذا الخطاب أن إلغاء هذه الخلافة هو النتيجة الحتمية للمسار التراجعي الذي حكم العالم الإسلامي منذ قرون طويلة.

ثم إن هذا الخطاب يفترض شكلا محددا للخلافة الإسلامية جاعلا منها دعوة للغرق في طوباوية ترتد إلى ماضي متخيل لم يتحقق و لا إمكان لان يتحقق في العصر الحديث . هذا التعلق برسوم الخلافة يجعل هذا الخطاب لا يرى أن الرابطة السياسية التي تجمع العالم الإسلامي موجودة اليوم ولا حاجة لان يخوض رحلة الدمار والخراب من اجل تحصيل أمر موجود وقائم. إن منظمة المؤتمر الإسلامي هي رابطة سياسية تجمع المسلمين ,كما أن جامعة الدول العربية تجمع العرب , وان كان دور المنظمة دورا ضعيفا في السياسة الدولية فما ذلك إلا نتاج الضعف والتخلف الحضاري الذي يعيشه العالم الإسلامي وهو التخلف الذي يمثل الخطاب القاعدي احد حراسه والقائمين على رعايته . إن تفعيل دور المنظمة في السياسة الدولية بحاجة إلى تزايد عدد الدول الإسلامية التي تقفز الحاجز الحضاري وتلحق بركب الحضارة العالمي وتعمق الاستقرار والسلم الأهلي بداخلها , فتزايد هذه الدول في المنظمة هو الطريق تحو حيازة دور ريادي في الواقع الدولي المعاصر وهو عكس ما يدعو إليه الخطاب القاعدي من تفجير المجتمعات الإسلامية وتمزيق نسيجها الاجتماعي وخلق استقطابات حادة تؤسس لحروب أهلية بداخلها .أي إن الوصفة القاعدية التي قدمها كتاب إدارة التوحش هي وصفة للدفع بالعالم الإسلامي خارج التاريخ وربما إلى الأبد .

أما الفكرة الحارسة للخطاب أمام جمهوره وأتباعه والمتأثرين به فهي الوصاية على الأمة والافتئات عليها بدون تفويض منها في ذلك , فكل أدبيات الخطاب القاعدي تتحدث عن أقلية تفرض برنامجها وأفكارها على الأغلبية , ويتم إبعاد الأغلبية بحجة الردة أو النفاق أو القعود عن الجهاد أو الخروج عن طاعة القيادة العليا كما أفصح عن ذلك كتاب إدارة التوحش . والأمة في هذا الخطاب ليست إلا مجموعة من العوام , وعلماء الفقه والشريعة والاجتماع والسياسة والفكر مشمولون هنا بوصف العوام, فالايديولوجيا تعيد تعريف المصطلحات دائما بما يتوافق مع مصالحها . نخلص من هذا أن العلاقة التضادية مع الغرب, والخلافة, والوصاية على الأمة, أفكار مركزية في بنية الخطاب القاعدي لابد من تفكيكها ونقدها وتصويبها.

ادارة التوحش

عام 2 عدد التعليقات

إن ما تضمنه كتاب إدارة التوحش والذي وجدت أعداد كبيرة منه مع الخلايا الارهابية التي أعلن بيان وزارة الداخلية عن كشفها يمكن اختصاره في جملة واحدة , انه ترويج للفوضى ونشر للخراب في البلاد العربية والإسلامية. الفوضى التي يبشر بها الكتاب ويروج لها قائمة على نشر الحروب الأهلية في كل مكان تحل به, وتغذية عوامل التفتت والانقسام و التشظي .كل ذلك يقدمه الكتاب تحت ذريعة الصفاء العقدي ومفاهيم الفرقة الناجية التي تشكل المفهوم المركزي الذي يؤسس خلفية مثل هذه الأطروحات الظلامية .

واللافت للانتباه والذي يدعو إلى التعجب أن هذه الفوضى التي يتحدث عنها الكتاب ويدعو إليها لن تحقق أهداف الكاتب كما عبر عنها في كتابه, بل تحقق أهداف من يعتبرهم الأعداء الذي يجب عليه قتالهم . إن أي فوضى في البلاد العربية ستكون بلا شك لصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى اضعفا المنطقة العربية وتفتيتها وإيقاعها في أحوال بربرية فوضوية تسهل على هذه القوى السيطرة على المناطق الإستراتيجية, وهذه القوى لديها من الوسائل والآليات والموارد ما يجعلها قادرة على السيطرة على هذا الخراب الموعود ,واحتوائه بحيث سيكون التقسيم هو غاية مثل هذه الفوضى المبشر بها قاعديا , أي أن المستفيد منه هي, قوى إقليمية ودولية يدعي تنظيم القاعدة انه يحاربها بينما هو في الحقيقة يمهد لها الطريق وينفذ أجندتها .

إن النموذج الذي طُبقت بواسطته مفاهيم ونظريات إدارة التوحش, كان ما سمي “بدولة العراق الإسلامية” , إذ أعلنت القاعدة عن حدود هذه الدولة التي يجب أن تخضع لإدارة التوحش القاعدية, ومن الأمور اللافتة هنا ,أن هذه الحدود كانت هي حدود التقسيم المفترض للعراق والذي يخطط له أعداء العراق وخصومه . وتطبيقا لنصائح هذا الكتاب قامت القاعدة وجنودها باستهداف من تسميهم المنافقين أي المسلمين من العراقيين الذين لم يبايعوا لأميرهم المزعوم , فقتلت زعماء العشائر ووجهاء الناس وقيادات المقاومة العراقية من الفصائل الأخرى , إذ أن احد توصيات هذه الكتاب هي الإثخان في القتل عند بداية إدارة التوحش من اجل تطويع الناس وإرهابهم عن التمرد , فالناس في اللاوعي القاعدي التنظيمي ليسوا إلا مرتدين عن الدين لا قيمة لهم ولمواقفهم .فالمكانة الأسمى هي للعقيدة وللفرقة الناجية التي تدافع عن هذه العقيدة وما عدى ذلك فغثاء لا دور له ولا رأي ولا مشورة , فعانت المناطق السنية من جحيم هذه الإدارة المتوحشة , ودفعت ثمن ذلك من خيرة أبنائها ورجالها من اجل مثل هذه الأفكار المبثوثة في هذا الكتاب, والتي أصبحت وقود تحرق به المناطق السنية عقابا لها على موقفها من الاحتلال الأمريكي .

يتحدث الكتاب عن إغداق الأموال على الناس لكسب ولاءهم ولذلك لا عحب أن تحدثت تقارير عراقية عن أن أكثر المنتسبين إلى “دولة العراق الإسلامية” هم من أراذل الناس وقطاع الطرق واللصوص , الذين وجدوا في هذه الدولة المال والسلطة معا ,ولان تقييم الناس لديهم هو بحسب تمسكهم بالعقيدة القاعدية , وعنوان هذا التمسك مبايعة “أمير المؤمنين” , ولان الإيمان يجب ما قبله كما يقال , فان هؤلاء اللصوص وقطاع الطرق وجدوا أنهم بهذه الدولة المتوحشة يسودون على أعالي الناس ووجهاء المجتمع وخيرة أبناء العراق ,ويسومونهم سوء العذاب , حقا إنها الفوضى بعينها ورسمها .

إن النموذج العراقي كشف بالتجربة لا بالكلام فقط ما يعنيه هذا التوحش وما سوف تؤل إليه أفكاره على ارض الواقع , فالإدارة المتوحشة تحولت إلى ذراع لتأديب المناطق السنية في العراق وتطويعها , كما تحولت إلى أداة لتشريع التقسيم للعراق , و إلى جهاز امني رديف لتصفية القيادات والنخب السياسية والاجتماعية في تلك المناطق , أي أنها في نهاية الأمر ومبدأه نفذت أجندة من تدعي أنها تقاتلهم . إن كل بلد موعود بالتوحش القاعدي , موعود بثلاثية الخراب بالاحتلال , والتقسيم, وتصفية خيرة أبنائه.

حوار ثقافي

عام 3 عدد التعليقات

لازال صراع الهوية والحداثة و الماضي والحاضر و الأصالة والمعاصرة يحكم الحياة العربية منذ أكثر من قرن ولم يحسم بعد ,هذا الصراع العربي – العربي حول مسائل النهضة والتقدم والحداثة ولد انقساما بين الفئات المنشغلة بهذا الهم الوطني والقومي , بين من يرى التقدم والتحديث يأتيان من بوابة الماضي وبالتالي فان التمسك بالثقافة العربية مع تشذيبها من زيادات ألمت بها هي المنطلق الحقيق نحو التقدم , وفريق اخر يرى ان الانطلاقة الحضارية تحتم على العربي الاتجاه ببصره إلى ما وراء المتوسط حيث الحضارة المعاصرة و العقلانية والعلم والتطور والحالة الثقافية التي تجاوزت أغلال وقيود القرون الوسطى . وفي كلا الاتجاهين مسارات متعددة تقترب وتبتعد عن نقطة المركز إلا أنها لا تنفك عن الدوران حولها . فهناك من يخلط في أطروحاته الثقافية بين الحفاظ على الماضي الإفادة من المنجزات الحضارية و في جانبها التقني فقط ,إلا أن القيمة الرئيسية التي تحرك هذا الخطاب تظل هي الماضي ويترجم هذه المركزية التي يحتلها الماضي بالمناداة المستمرة بالتمسك ببقاء منظومته التقليدية بكل هيئتها دون أن يمسها تغيير وبالتحذير من القادم الجديد .ويظل الحنين إلى هذا الماضي , وهو ماضي ممتد عبر قرون فيه ما يستحق التمسك به وفيه ما يحتاج إلى إعادة نظر واجتهاد , يظل هذا الحنين حلما يلهب خيال هذا الخطاب ويحركه أكثر من أي شئ آخر , فهو لا يرى المستقبل إلا امتدادا لظلال الماضي الذي يحن إليه , لا إبداعا جديدا يتوق إليه . وفي الجانب الآخر نجد أيضا من قدم خطابا عصريا حديثا في جوهرة إلا انه يلبسه رداء من الماضي دون أن يغير جوهر خطابة التحديثي أو ينتقص منه شئ .

العلاقة بين التيارين كانت خاضعة لمنهج سجالي يعمق الخلافات ويوسع الهوة بينهما , منهج لا يمكن له إلا أن يؤسس لحرب أهلية ثقافية تتحول فيها الحجة والبرهان والمنطق إلى ضحايا منبوذة لا مكان لها , بينما تتصدر الايديولوجيا الانقسامية ساحة المعركة متوسلة بكل ألوان المغالطات والتناقضات , فيصبح الألم الذي هو في الأصل منطلقا للتوحد والاجتماع , نقطة للتشظي المجتمعي والتحارب الثقافي , وتتحول الخصومة الثقافية إلى خصومات اجتماعية وسياسية توسع من ساحة المواجهة لتصبح الحالة الشعبية متاريس لهذا الفريق أو ذاك .

العالم العربي ُحكم بهذا النوع من الصراع بين التيارين منذ قرن ويزيد ولم ينتقل بعد إلى الحوار بينهما لان الحوار أصبح لدى كل فريق هو تنازل وتراجع عن قطعيات ونهائيات وإذا تم نوع من الحوار تحت ضغوطات الواقع فإنها حوارات قائمة على المخادعات اللفظية أكثر منها حوارات جادة للوصول إلى حالة ثقافية جديدة.

الحوار الجاد لابد أن ينطلق من طرح التساؤلات الجذرية حول مواقف كلا الطرفين وتصورهما للعلاقة بينهما حتى يمكن لهذا الحوار أن يولد قبولا بالآخر الثقافي المحلي دون أن يصادر حقه في الاجتهاد والتفكير تحت مبررات أيديولوجية عديدة .

هذا الانقسام الثقافي , حول الموقف من الماضي والرؤية للمستقبل , و الدور الذي ينبغي أن يكون للتاريخ في صياغة الواقع والآمال والطموحات , وما هو الموقف من الآخر الذي يمتلك الحضارة ووسائل التقدم , انقسام حول الحداثة الغربية و تأثيرها على الثقافة العربية وما هي معالم التحديث التي نحتاج إليها , وكيف يتم ذلك وغيرها من ملفات الخلاف الثقافي, هذا الانقسام , بحاجة إلى حوار ثقافي عربي – عربي أكثر عمقا مما جرى ويجري وأكثر جدية أيضا , حوار ربما يساهم في وضع القطار الثقافي العربي على السكة الصحيحة , فالسياسة العربية تظل بحاجة إلى بنية ثقافية تساعدها على النجاح , والحوار الثقافي ربما يصنع هذا البيئة .

 

 

 

.

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول