العالم الجديد

عام 3 عدد التعليقات

 

 

 

الانفتاح الذي يعيشه العالم اليوم لم يشهد التاريخ المنظور والمسطور مثيلا له من قبل, فشبكة التواصل الثقافي والمعرفي والمعلوماتي والمالي والاقتصادي أصبحت تظلل العالم كله دون أن تميز زاوية من زواياه عن الأخرى , فالحدث يشاهد لحظة وقوعه من الجميع , ويتأمله الجميع , ولكل أن يتخذ موقفه الخاص بناء على قناعاته ومبادئه . الأفكار تنتقل لا يعيقها شئ , تتسرب إلى البيوت الهادئة القابعة في مجاهيل الصحراء أو السادرة في أدغال الغابات الخضراء , فلا فرق.

لم يعد غريبا اليوم أن تجد شابا بحدثك انه يؤمن بوجودية كريغارد وهو يسكن بيتا في قرية صحراوية نائية لا يوجد بها من الخدمات إلا طبق فضائي يستقبل من خلاله العالم الشبكي ,الموصوف بالافتراضي, والذي في طريقة إلى أن يصبح هو العالم الحقيقي او ” العالم الجديد” بينما يتوارى عالمنا الحقيقي ويذبل في عقولنا ونفوسنا مع تقادم الزمن وتمدد شبكة التواصل الجديدة . فالعالم في الحقيقة ليس إلا شبكة العلاقات التي ننسجها من حولنا , وننخرط نحن كجزء فاعل فيها ومن خلالها.

عندما تتصفح موقع كالفيس بوك , تكاد تذهل عندما تشاهد ذوبان الأيديولوجيات على صفيحه الساخن , فلا مكان للايديولوجيا فوق ذاك الصفيح , وربما بعد فترة من الزمن , لا مجال لها فوق كوكبنا الغارق بدموع الماسي البشرية .

انه نمط تواصلي أفقي ومسطح ,لا تراتبية فيه ولا هرمية, فلا تستطيع الايديولوجيا أن تمد من خلاله نفوذها , بل تواصل سطحي وافقي تتداخل فيه الأفكار وتتزاوج بشكل مثير وعجيب , فكل شئ هناك متغير وقابل للزوال. هذا هو العالم الموسوم بالافتراضي, العالم الجديد , يتمدد بكل هدوء في عوالمنا الحقيقية , يشكل بطانتها ويصنع تجاويفها الداخليه , يتسلل إلى الأجزاء الخفية من عالمنا الحقيقي يعبث بها ويحيلها إلى نارِ مشتعلة لاتعرف رمادا أبداً .

 

في هذا العالم يتلاقى الجميع من كل الاتجاهات وبدون قيود أو حدود أو ضوابط , الكل يتجول في هذا المحيط البشري المائج , يحاور من يشاء ويصادق من يريد ,يكتشف العالم بكل حرية دون أن يجد من يوقفه عند أبواب الخصوصية العتيدة , فلا أبواب هناك ولا حارس على الأبواب.

و من الطبيعي جدا ان تجد اليساري المؤمن بجيفارا مثالا امميا يحتفي به ويفاخر , يصادق إسلامياً ملتزم بمخياله الاسلاموي العنيد امام الرياح العواتي , ولكنهم جميعا عندما يعبرون هذا المحبط لا يفكرون إلا بما هو مشترك بينهم , إنها همومهم الدنيوية التي تلازمهم في كل لحظة وتحاصرهم ولا تفرق بينهم , فكوارث هذا العالم و آلامه لا تميز بين الألوان والأجناس فهي مصابة بعمى ألوان أيديولوجي لذلك فابناء هذا العالم الجديد”الافتراضي” وجدوا أن الآلام تجمعهم أكثر من أي شئ آخر . فأزمة الغذاء العالمية لم تفرق بين يمين ويسار أو بين اسود وابيض , الجميع يعاني منها لذلك فالجميع ينخرط في كيفية مواجهتها.

هذا النمط الأفقي في التواصل بين البشر يخلف نمطا راسيا لا يمكن الانتقال فيه بين المنظومات إلا عبر تراتبية الإجازة المعنوية والفكرية, أما مع هذا النموذج التواصلي الجديد فان الانتقال يتم بشكل أفقي لا تحتاج فيه إلى إجازة من احد ,بل كل ما تحتاجه ,هو قرارك أنت فقط فلا وصاية لأحد على احد .

هذا هو الواقع المسمى افتراضي ,ولكنه في الحقيقة ليس إلا الواقع الجديد أو العالم الجديد ,في مقابل الواقع القديم ,وفي ظل تجاور هذين النظامين ,وتعقد وسائل فك الاشتباك بينهما ,فان المجتمعات التي تحاكي الواقع الجديد في نظمها ووسائل إدارة حياتها تستطيع أن تؤمن انتقالا سليما بينهما وتتفادى الارتجاجات والهزات المهلكلة , أما تلك المجتمعات التي تصادم هذا الواقع الجديد باليات إدارة شؤونها, فإنها في الحقيقة تواجه حركة التاريخ بدون سلاح , هي قررت المواجهة نعم ,ولكنها تخوض المعركة بدون سلاح , كساع إلى الهيجاء بغير سلاح .

 

 

 

من القبيلة إلى الدولة

ممنوع من النشر تعليق واحد

 

 

بين القبيلة والدولة تشابه في جوانب عديدة , كما بينهما فروق تجعل من الالتقاء أمرا بعيد المنال, بل إن وجود احدهما وحضوره الفاعل في بعض المجالات يعد تهميشا و إضعافا للآخر .

تتشابه الدولة والقبيلة من حيث السلطة المعنوية على الأفراد , ومن حيث وجود ولاء تضامني بين أفراد كلا المكونين تترتب عليه انحيازات وخيارات سياسية معينة. كما تتشابه الدولة والقبيلة في بسطهما نفوذهما على حيز جغرافي محدد , يمثل بالنسبة للدولة الإقليم الجغرافي الذي يقوم عليه الوطن , و بالنسبة للقبيلة, الحمى الذي يحيط الهوية الخاصة ,المنكفئة على ذاتها ,والمفارقة بها غيرها من القبائل. في كلا النظامين توجد مرجعية لتنظيم السلطة والقضاء, في الدولة يمثل هذه المرجعية الدستور كمنظم للعلاقات الداخلية, والقانون كمرجعية للقضاء والأحكام بين الناس , أما في القبيلة فيحل العرف بديلا عن الدستور والقانون معا. وهو عرف فضفاض خاضع في تجلياته الواقعية لرؤية الزعيم وثاقب نظره.

هذه بعض نقاط التشابه , أما نقاط الافتراق بين الدولة والقبيلة فمتعددة وربما كانت نقاط الاتفاق هي ذاتها نقاط اختلاف وتضاد عند تطبيقها بشكل متزامن في المنظومتين , فالدولة لا تقبل سلطة معنوية تعلو على سلطتها وتنافسها والقبيلة قد تفعل ذلك , كما أن الدولة لا تقبل تعدد الولاءات في الخيارات الوطنية , والأرض في الدولة هي ملك للشعب لا لقبيلة اذ الدولة ينطبق عليها القول أنها تجب ما دونها وما قبلها.

أما في تكوين السلطة نجد أن القبيلة ,وهي المكون الذي يراه البعض من موروث ما قبل الحداثة ومن فضلاتها , تلتزم في تعيين الزعيم رضا أغلبية القبيلة عنه, فالزعيم القبلي ينتخب طبيعيا وإذا ما مارس شيئا من الانفراد والاستبداد , أو فشل في أداء الوظيفة المطلوبة منه , وهي حماية القبيلة وتامين كسبها , فان القبيلة تتولى عنه وتبحث عن زعيم غيره , والحديث هنا , عن القبيلة بحسب وجودها الأولي في أزمنة الفوضى و البعيدة عن تدخل الدولة الحديثة وتقنينها. هذا وضع السلطة في القبيلة ,أما في الدولة فان السلطة قد تأتي باختيار من شعبها أو بغير ذلك ,وهي مفارقة جديرة بالتأمل.

وما نشهده في العالم العربي والخليجي على وجه الخصوص من عودة قوية لحضور القبيلة , سواء أكان حضورا اجتماعيا فاعلا عبر مناسبات تنظمها القبيلة لأبنائها , أو حضورا ثقافيا باستدعاء التاريخ الخاص بكل قبيلة وإحياء الذاكرة القبلية بالقصائد والأشعار والقصص والاهتمام بالأنساب وتداخلاتها , أو كان حضورا سياسيا نراه واضحا في الدول التي تشهد نوعا من الحرية السياسية يسمح لمثل هذه الروح القبلية بالظهور . كل ذلك يجعل من النقاش حول التكوين القبلي وانعكاساته على المجتمعات الخليجية أمرا ذي أهمية كبيرة.

القبيلة في المجتمعات العربية لعبت دورا كبيرا عبر فترات تاريخية طويلة . خصوصا وان الدولة بمفهومها الحديث كانت غائبة عن المنطقة العربية لقرون طويلة . فحتى نموذج الدولة الإسلامية في عهدها الأموي والعباسي لم يكن بديلا كاملا عن القبيلة , بل ظلت القبيلة العربية محافظه على مساحات نفوذ لا يستهان بها , مساحات نفوذ ربما تأثرت بها بعض الرؤى الفقهية التي قننت لحكم العشيرة والقبيلة , عبر تمسكها بتفسير محدد لأحاديث أخبرت عن أن الأئمة من قريش , وهو تفسير لا يخفى تأسيسه لحالة عشائرية قبلية في ممارسة الحكم الإسلامي , ستنعكس حتما على بنية المجتمع العربي وهو ما أعطى البعد القبلي دورا بارزا في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي. كما تأثرت بها كذلك الرؤى الفقهية حول كفاءة النسب , والتي دفعت إلى تصنيفات للكفاءة مختلفة ومتعددة, بين العربي وغير العربي , والقرشي وغير القرشي , إلى آخر التفصيل الفقهي المعروف , . بل إن القبيلة إذا كانت ذات نسب موحد (أي عصبة)تصبح عاملا حاضرا في عقود النكاح , للقيام مقام الولي الأقرب إذا تعذر هذا, لبعد البلد أو لانتزاع ولايته لسبب ما . وفي هذا السياق يقول صاحب متن الرسالة الفقيه المالكي أبي زيد القيرواني " ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها ,أو ذي الرأي من أهلها , كالرجل من عشيرتها أو السلطان" , ويلاحظ هنا أن القبيلة والعصبة تقوم مقام السلطان بديلا للولي القريب من أب أو أخ . وقد تفاعل الأدب العربي في عصره الأموي على وجه الخصوص مع هذه البنية العشائرية عبر العديد من المفاضلات بين القبائل والمحاورات الشعرية التي ساهمت في تأصيل الثقافة العشائرية وقيمها . كل هذه العوامل جعلت من القبيلة والعشيرة مكونا من الصعب , إن لم يكن من المستحيل تجاهله في تكوين المجتمع العربي , وقد حاولت بعض الأحزاب , قومية أو يسارية , القفز على هذا الواقع الغائر في جدار الزمن العربي , ولكنها لم تفلح , وقد ذهبت في سبيل تجاوزها لدور المكون العشائري إلى إلغاء الانتساب إلى العشيرة والقبيلة في الهويات الشخصية لمواطنيها , وهي معالجة سطحية ظاهرية , إذ ظلت القبيلة وقيمها هي المسيطرة حتى على المشهد السياسي الذي تدعي هذه الأحزاب أنها قامت بتحديثه و ماسسته بالكامل , إذ شهدنا في بعض الدول التي حكمتها هذه الأحزاب , أن من يدعي إطلاقه لمشروع الحداثة السياسية , يشرع لتوريث الحكم في الأنظمة الجمهورية العربية فيما اعتبر دليلا واضحا لغلبة النسق العشائري على نسق الدولة الحديثة .

 

القبيلة والعشيرة كما هو الدين في العالم العربي , لا يمكن الحديث عن مشاريع للنهضة والتنمية والتحديث , بتجاهلهما أو القضاء عليهما , فهما حقيقتان قارتان لا يمكن بحال من الأحوال إخفاءهما , وأي محاولة من هذا النوع هي حراثة في البحر كما يقال. ولكن كما ان ترك الدين لسيطرة تفسير تقليدي لا يواكب روح العصر وواقع الحياة البشرية بتقديمه استجابات فقهية لوقائع مستجدة , يعني تحويل الدين إلى عائق من عوائق النهوض الحضاري الشامل . فكذلك الأمر مع القبيلة فهي حالة اجتماعية ضاربة الجذور في بنية المجتمع ولا يمكن تجاهلها أو تهميشها والحل الصحيح حتى لا تتحول إلى عائق مدمر لتماسك المجتمعات التي تتكون منها , هو في تقديم استجابات حديثة تحافظ على البنية الأساسية للمكون القبلي ولكن بما يجعلها عامل بناء وتوحيد وتلاقي ونهوض ثقافي وحضاري . ومما قد يسهم في توليد هذه الاستجابات , الدفع بشكل واعي باتجاه تنمية الحياة المدنية بشروطها الحديثة , وفتح الآفاق أمام تشكل مجتمعات مدنية تحتوي القبيلة بوسائط مرنة وقادرة على اختراق العصبية القبلية وتطويعها.

اولمبياد بكين :حضور التاريخ

عام 4 عدد التعليقات

 

 

تابع العالم افتتاح اولمبياد بكين مذهولا من هذا الإبداع الصيني اللا متناهي وقد كان هذا الافتتاح التاريخي مناسبة أطلت من خلالها الصين بحضارتها وتاريخها وثقافتها وهويتها على العالم كله وأمام بلايين المشاهدين في كل زاوية وركن من العالم .وفي ظروف تاريخية معقدة وأزمات متصاعدة في الواقع المعاصر تسببت بها سياسات الاستكبار والغرور والصلف الغربي تجاه شعوب الكرة الأرضية جاءت الصين لتذكر العالم بحكمتها العتيقة , وتاريخها العريق , وثقافة السلام التي يعتقد أهل الصين أنهم هم صناعها ورواد العالم فيها . لم تستعرض الصين سلاحها النووي ولا صواريخها العابرة للقارات ولا أساطيلها البحرية الضاربة وهي التي تملك منها الشئ الكثير ولكنها أرادت أن تقدم للعالم رسالتها الحضارية التي تعبر عن تاريخها وعراقتها مستغلة الاولمبياد كشاشة دعائية لتحقيق ذلك في ظل تحولات مرتقبة يمر بها العالم المعاصر وموازين القوى الحاكمة عليه .

الثقافة الصينية القائمة على التسامح وقبول الآخر أيا يكن دينه أو انتمائه , متوافقة تماما مع أهداف الاولمبياد , وهي مد الجسور والتسامح بين شعوب الأرض , لقد نادى كوبرتان باعث الاولمبياد من جديد في القرن التاسع عشر بان يكون الاولمبياد فرصة للتواصل بين أجزاء العالم المختلفة والتعارف بين شعوبها وثقافتها المتعددة وهو الذي قال عبارته التي تحولت إلى أشبه بدستور " إن أهم شئ في الألعاب الاولمبية ليس الانتصار بل مجرد الاشتراك واهم ما في الحياة ليس الفوز وإنما النضال بشرف ". والثقافة الصينية محملة بتراث عريق في التسامج بين الثقافات والمذاهب المتعددة .

الصين لم تعرف في تاريخها اضطهادا لأصحاب دين أو ملة من الملل إلا أن يكون هذا الاضطهاد بسبب سياسي لا من اجل الدين او المذهب أو الاعتقاد الخاص . ومن اكبر الدلائل على هذه الروح التسامحيه تجاه الأديان والعقائد الأخرى لدى الصينين , هو أن زعيمهم المعاصر ومن يلقبونه بنبي الصين الحديثة "سن ياتسن" كان مسيحيا , وان تلميذه " شان كاي شيك "الذي جاء بعد ياتسن في زعامة الأمة الصينية , كان مسيحيا أيضا .فلم تكن ديانتهما عائقا امامهما , بينما نجد بلادا كثيرة ممن تعتبر نفسها طليعة حضارية للعالم كله لازالت الشكوك تحوم حول قدرة غير المنتمي الأصيل لدين الغالبية فيها للوصول إلى كرسي الحكم , فكيف بمن لا ينتمي أصلا إلى دين الغالبية هناك . فالدين عند الصينيين هو آداب سلوكية قوامها توقير أرواح الأسلاف وعدم تحقيرهم أو التفريط بالولاء لهم , ولكل إنسان أن يوقر أسلافه ولهذا ففي تاريخ الصين كان لكل بيت معبد خاص ولكل قبيلة هيكلها الخاص بدون أن يؤثر ذلك على الآخرين او يتسبب لهم بضرر. و يروي ابن بطوطة في رحلته عن كاهن من كهانهم" يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لو كنت معه لنصرته , ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب أحسن الذكر" .

هذا التقديس للأسلاف ولروحهم والتأدب معهم , لم يكن مانعا أو حاجبا للصينيين من هدم القديم أو تغييره , فالصينيون يرون أن العصر الذهبي كان عصر الآباء الأولين الذين أشادوا حضارة سادها العدل والحق وأشاعت الخير والاستقامة في الوجود وهو ما يسمونه بعهد الناموس الأعظم .هذه الصورة الذهبية الأسطورية هي التي تحث الصينيين على استبدال القديم الذي بين أيديهم إذا كان هذا القديم مانعا عن بلوغ صورة المثال , صورة العدل والحق والعمل الجاد المثمر والقضاء على اللصوصية والاحتيال والغش وتكديس الأموال والاستئثار بها . هذه الصورة الأسطورية المقدسة للأسلاف هي الروح التي تبعث فيهم الرغبة في تجاوز التقاليد التي ترسخ ما يضادها .

هذه الصين التي أبهرت العالم بعظمة افتتاح الاولمبياد يبدو أن ساعة إبهار العالم بثقافتها قد حانت.

 

 

 

 

 

 

 

امة تطارد خيط دخان

عام 2 عدد التعليقات

شعوب الشرق تطارد الآمال كما تطارد خيط دخان, جيلا بعد جيل منذ عصر النهضة الأول في القرن التاسع عشر , وكل ما انقضى أمل رفعت النخب أملا جديدا ودخانا جديدا, وما أكثر الآمال التي تترجاها شعوب الشرق , حرية وحداثة ونهضة وتقدم وقوة ومشاركة حضارية وتحرير الأرض وتنوير العقل ..أمال كثيرة تزخر بها الذاكرة التاريخية للشعوب الشرقية . ترفع النخب عنوان أمل جديد لتعلق الناس به وترجيهم من وراء مطاردته خيرا عميما وعندما يكتشفون أنهم إنما كانوا يطاردون خيط دخان يستبدل الشعار بآخر ومستودع الآمال زاخر لا ينضب .

الآمال الكبرى التي ُرفعت خلال ما يزيد عن قرنين لم تكن في حقيقة مفعولها إلا شعارات أيديولوجية لحشد الناس خلف القائد الملهم والزعيم المخلص والحزب التقدمي والفئة المسيطرة ,لتبرير مشروعية التسلط النخبوي والاستئثار بالحكم والمال والجاه من قبل هذه الفئات . و إذا استيقظ الناس على أن أمالهم التي يطاردونها ويتحملون في سبيلها كل هذا العنت ليست إلا سرابا بقيعة ,أُبدعت لهم آمال جديدة وُدفعوا إلى الانتظار والترقب والمزيد من الصبر من اجل أمل لم تبزغ شمسه بعد.

في عصر النهضة صنعت النخبة السلطوية آمال النهضة لتحشد بذلك الشعب خلف مشروعها الجبري التسلطي , وتبرر لهم هذه الجبرية الحداثية برغبة الاندراج في الركب الحضاري السائر تحت قيادة المركز الغربي المهيمن . كانت الناس تشعر بالذل و الإهانة من التخلف الذي لحق بها وهو ذل عززه التواصل مع الغرب ودفع به إلى أن يكون محطة لتشكل عذابات نفسية ووجدانية تتراكم خلف سدود العقل الجمعي العربي لتنفجر في لحظة معينة ,مراجعات فكرية وعقلية ودينية عنيفة وعميقة وجذرية . ولكن تجلت الحقيقة عن سراب النهضة مع قدوم جحافل الاستعمار الغربي التي مزقت البلاد العربية , وكشفت عمق الأزمة في العلاقة بين مجتمع مشدود لأفق اللا معقول والخرافة والسلبية ونخبة مبتوتة الجذور منفصلة عن واقعها تحولت بعد ذلك من دور صناعة الوهم إلى جلاد للضحية بدلاً من أن تكون منقذا لها .

بعد هذه المرحلة جاءت المشاريع الثورية العربية , والحكومات العسكرية الانقلابية , ورفعت سقف الامال حتى لامست عنان الأفق العربي التليد وتجاوزته , الوحدة العربية والاستقلال العربي والأمة الواحدة من المحيط إلى المحيط , كانت شعارات تقتات عليها الشعوب في صبوحها وغبوقها كما وصف الشاعر

صبوحي إذا ما ذرت الشمس ذكركم ,,,,,,,

ولي ذكركم عند المساء غبوق

كل هذه الآمال تكسرت على بيداء الواقع المحرقة , وتصاعدت الأدخنة في كل الأماكن الموصوفة حلما واعدا وأملاً قادما ,وعمت حالة اليباس الفكري والحضاري وضربت أطنابها بعد هزيمة حزيران 1967م . تلك الهزيمة التي لازال العالم العربي يعيش ارتداداتها من تيبس الايديولوجيا القومية وتفككها , وسقوط أنظمة قومية رئيسية تحت حراب الاحتلال , وانكشاف المنظومة الشعاراتية التي تصبغ بها هذه الأنظمة حقيقتها الكامنة , حقيقة الاستئثار بالحكم والسلطة لصالح فئات وطبقات بعينها , في تجلي آخر لحقيقة الواقع العربي , وضياع لعقود من الآمال المطاردة , والأحلام التائهة خلف خيط دخان .

النخب التي تصنع الآمال والأحلام تدرك أنها إنما تصنع وهما , ولكن هذا الوهم له دور وظيفي مؤقت وهام , دوره حشد الناس وجمعهم وتبرير استئثار هذه النخبة بكل أدوات الفعل والتأثير , وفي هذه الحالة يغدو المقدم لدى هذه النخب هو شخصية المتنبي التبريرية المتغافلة عن كل نقد إلا ما يتعلق بمكاسبها الذاتية , لا شخصية ابن رشد الناقدة للأوضاع بعين بصيرة ومدركة.

اليوم ما أكثر الذين يرفعون آمالاً جديدة لشعوب العالم العربي , وكما قلنا فان مستودع الآمال لا ينضب في بلاد الشرق وهي التي تضم منبت الحضارات الأول , كما هي مهبط الأديان السماوية .وعلى قدر ما تتعاظم الأزمات تتولد معها آمال جديدة , ويتحول كل أمل إلى جسر إلى عقول الناس .وفي النهاية كما كل مرة ,يتكرر المشهد ,مشهد اللحظة الأخيرة , والجموع تتيه في البيداء تطارد خيط دخان.

العشرة الاوائل

عام لا تعليقات

على طريقة التصنيفات العالمية للاغاني والأفلام الـ “topten”, لدينا قائمة من العناوين والاهتمامات التي تتنافس على سلم تصنيفي للرأي العام المحلي والعربي وأدوات صناعته الإعلامية والثقافية والدينية, يشابه سلم العشرة الأوائل. كثير من هذه العناوين التي تتنافس على سلم الرأي العام هي قضايا هامشية وبعيدة عن أولويات التنمية والتحديث التي ينبغي أن ينخرط فيها المجتمع .و ربما كان الخوف والقلق على الهوية النقية المطهرة من كل ما يخدش عذريتها هو المحفز الأول نحو هذا السباق المحموم على هذا السلم التصنيفي العشري .

مقياس التقدم في درجات التصنيف تعتمد على عدد ونوع الخطب والندوات والمحاضرات والمقالات التي تتناول الموضوع , كما تعتمد على رسائل الجوال أو رسائل البريد الالكتروني …التي تحذر من موقف معين أو تطلب التأييد لموقف اخر أو غير ذلك , ومن هذه المعايير التصنيفية ما يكتب في صفحات الانترنت , في المنتديات والمدونات والمواقع العامة والشخصية .

المجتمعات العربية تتميز بأن كثيرا من القضايا التي لا علاقة لها بصناعة المستقبل ,تحتل قائمة الاهتمامات هذه , وعلى الطريقة التصنيفية ذاتها ,تظل قضية معينة لفترة من الزمن ثم لاتلبث أن تتراجع أمام قضية جديدة أو قديمة تم استدعائها من جديد. ومن هذه القضايا التي سوف نستقبل موسم صعودها إلى المرتبة الأولى , الحساب الفلكي لتحديد دخول شهر رمضان والعيدين , فهناك من يعتقد أن حسم هذه القضية سوف يقود إلى توحيد المسلمين , هكذا يعتقد هؤلاء وبكل بساطة !.

ليست المشكلة في وجود اهتمام بأشياء بعينها ولكن المشكلة حين يتحول هذا الاهتمام لدى البعض إلى قضية الساعة الأولى ويحول البعض هذه القضية من مستواها الهامشي ,وما أكثر” سكان الهوامش” في حياة الإنسان , إلى أن تكون قضية مصير يتم التعامل معها يمنطق مؤدلج ينزع من بئر المفردات العربية العتيقة الجديدة , الخيانة والعمالة والغزو الفكري والمؤامرة العالمية ..الخ

قضايا مثل محلات بيع الملابس النسائية , وارتداء ممثلة أو مذيعه للحجاب ,ورواية أدبية , ومقال في صحيفة ,ومسلسل في قناة , وغيرها كثير , تتحول هذه الأشياء بسبب هذه المنهجية الانفعالية إلى قضايا رأي عام مطلوب أن تحدد فيها موقفا, مع أو ضد , بل إن البعض يحولها إلى أزمة اجتماعية يؤلب من خلالها ضد من يخالفه الرأي فيها. المشكلة هنا ليست في تناول هذه القضايا أو تحديد موقف منها أو بيان هذا الموقف للناس ولكن المشكلة في السعي لتحويل هذا القضايا إلى أولوية مجتمع بأكمله عليه ن يحتشد فيها وان يظن البعض أن حسم الرأي فيها لصالحه هو طريق الخلاص من كل مشاكلنا الأخرى ..

بسبب هذه المنهجية الانفعالية تحولت مجتمعاتنا إلى مجتمعات تنتظر ما يفعله الآخرون لتقرر هي ردة فعلها وتظن أنها بردات الأفعال هذه تصنع مستقبلها , وهي في الحقيقة تمارس بذلك دور التغطية على مشاكلها دون أن تقدم حلا لها . فلك أن تتصور مجتمعا يعيش خلال العام كله مشدودا إلى عناوين هامشية تستنزف جهده وعقلة وعاطفته وهذا العناوين لن تغير كثيرا من الواقع المعقد الذي يعيشه , لا بالسلب ولا الإيجاب, فهو أشبه بمن يخوض معركة مع طواحين الهواء يحسبها من جنس الشياطين .

إن المتأمل في كثير من التفاعلات الاجتماعية والثقافية والسياسية في العالم العربي, يجد أنها لم تكن نتاج تراكم تاريخي متواصل و نابعه من شروط الاجتماع العربي التاريخية ,ولكنها بالعكس من ذلك هي نتاج شروط الآخرين وأفعالهم وإراداتهم وان ُسميت هذه التفاعلات مقاومة أو مواجهة أو ممانعة أو جهادا مقدسا . إن المجتمعات الحية والقوية هي التي تصنع خياراتها بذاتها ولا تقع فريسة للانفعالات التي تحول العناصر الهامشية والطرفية إلى عناصر وازنة في المعادلة الثقافية والاجتماعية والتنموية وحينها فلن تنشا ثقافة ولا اجتماع ولا تنمية حقيقية , بل ضجيج طواحين الهواء فقط .

 

 

 

كافة الحقوق محفوظة لموقع عبدالمجيد سعود © 2008 WP Theme & Icons by N.Design Studio | تعريب قياسي
التدويناتRSS | التعليقاتRSS | دخول