سيطرة التيارات الإسلامية الايديولوجية على الحراك الشعبي والمجتمعي مقولة ُيسلم بها كثيرا عند التناول الاعلامي, ويبنى عليها القول أن هذه التيارات سوف تسيطر على أي مشهد سياسي وثقافي ينشا في أجواء تحفظ الحريات والحقوق للجميع .
إذا تم الإقرار بهذه الدعوى فعلى أي أساس يمكن لنا أن نفهم موجات التراجع التي أصابت التيارات الإسلامية في مستويات عديدة ومختلفة , تراجعات في النظرية التغييرية للمجتمع , وفي المقولات الإسلامية تجاه عدد من القضايا الاجتماعية والثقافية والدينية . و هل يعتبر هذا التراجع أو المراجعات نتاجا لانحسار نفوذ وسطوة التيارات الإسلامية في المجتمع أم أن هناك تفسير آخر لما جرى.
قائمة التراجعات الإسلامية طويلة ويكفي العودة للأرشيف الفقهي الذي تستند إليه هذه التيارات ليدرك المرء عمق التقلبات والتحولات الفقهية وانقلاب الحلال حراما والحرام حلالا في ظروف زمنية متقاربة .وآخر مثال يشير الى ما نتحدث عنه هنا ,ما يتعلق بحكم الاحتفال بعيد الميلاد وما شابهه من مناسبات . وبرغم المعارضة التي يبديها البعض لمثل هذه التحولات إلا أن شريحة واسعة من القاعدة الإسلامية باتت منخرطة بشكل فاعل مع هذه الرؤى الفقهية الجديدة.
في النظرية التغييرية للمجتمع كان سائدا في الخطاب الإسلامي الحركي استخدام العنف تحت ذرائع شتى ومختلفة , وتشهد على ذلك كتابات عدد من رموز الخطاب الإسلامي ومنظريه في الستينات والسبعينات الميلادية ,ولم تقف النظرية العنفية عند أبواب التنظير المجرد بل تجاوزته إلى التنفيذ الميداني , فشهدت الحركة الإسلامية المصرية حرب تصفيات واغتيالات داخلها في الخمسينات الميلادية ومحاولات جادة لاستخدام العنف وجدت طريقها لاحقا إلى الساحة المصرية . وفي الساحة السورية تحول استخدام العنف للتغيير إلى منطقة استقطاب حاد داخل المنظومة الإسلامية وعانوا من تبعاتها بعد ذلك حتى اليوم . و الجزائر مثال اخر يكشف عن هذا التنظير العنفي الذي يجد طريقة إلى التنفيذ ويؤدي إلى الانزلاق نحو احتراب أهلي مرير. ويبقى النموذج الأفغاني بنسخته القديمة مثالا صارخا على هذه النظرية التغييرية العنفية ,فاستخدام العنف بدا في أفغانستان على يد الحركة الإسلامية قبل قدوم القوات السوفييتة إلى ذلك البلد .إلا أن الذي يراقب الخطاب الإسلامي اليوم يجد انه يسجل تراجعات حادة في هذه القضية , إلى الدرجة التي تدفع الحركة الإسلامية بنسختها العراقية إلى الوقوف مع القوات الأمريكية في مطاردة الفصائل المغالية في استخدام العنف وسيلة إلى التغيير .
و التعاطي الايجابي مع الآخر والتي كانت تعد موالاة له وهو ما يقتضي أحكاماً شرعية قاسية بحق الموالين, أصبحت من ضرورات التعايش لتحقيق مصالح الناس أجمعين وهذا تحول يقارب الانقلاب خصوصا داخل الخطاب الإسلامي الصحوي المحلي .ولا يقف الأمر عند تحول شخصية مركزية أو أكثر ولكنه يتجاوزه إلى تمدد و تجذر هذه الأفكار التراجعية داخل المنظومة الإسلامية الفاعلة .
هذه التراجعات يمكن النظر إليها كمؤشر على بداية انحسار المد الإسلامي من الساحة المجتمعية ولكن الملفت للانتباه أن هذه التراجعات التي نتحدث عنها رافقتها عملية صعود في النفوذ والتأثير للخطاب الإسلامي وتوسع شريحة المتأثرين به أكثر من السابق , خصوصا الخطاب الذي يتبنى مفردات نقدية وتصالحية جديدة , كما لم نشهد في المقابل بروزا مجتمعيا لتيار مناهض لهذه التيارات الإسلامية يثبت فعلا أن هناك فراغا نتج من انسحابات وتقهقرات إسلامية متوالية وهي قامت بملئه .
هل يمكن لنا لتفسير ذلك أن نستعير النموذج الجابري الذي رأى في انتصار المسلمين الأوائل على الفرس ميداينا مقدمة لانتصار فارسي ثقافي بعد أن تحول الموروث الفارسي إلى مصدر الهام حضاري وفكري للمسلمين . فنقول أن التيارات الإسلامية وبعد سيطرتها على الوسط الاجتماعي والثقافي ولعدم قدرة خطابها الأصلي على استيعاب متطلبات هذه السيطرة ,فان الثقافة المقابلة تسللت إلى البناء المعرفي الإسلامي وأعادت تموضعها بداخلة , وهو ما ولد تصدعات وتحولات لازالت تتفاعل داخل المنظومة الإسلامية ,ور بما جاز لنا القول بعد ذلك أن المنظومة الإسلامية ستكون هي الساحة المولدة للأفكار المتناقضة في السنوات القادمة, وهي ساحة الصراع الساخنة .
أحدث التعليقات